السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

السبت 21 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10788

عن الجغرافيا الأقلياتية

العالم العربي يشهد حاليا استقواء للأقليات على الدولة جغرافيا وثقافيا وسياسيا، بعد مراحل من هيمنة الدولة على الأقليات طمسا لخصوصياتها اللغوية والثقافية.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/06/22، العدد: 10314، ص(9)]

مشهد إقدام المقاتلين الأكراد شمال سوريا على تمزيق صور الرئيس السوري بشار الأسد وإسقاط العلم السوري من القامشلي وتوسّعهم قرب مدينة حلب بمعاضدة القوات الفرنسيّة والأميركيّة، إضافة إلى تبني حزب العمّال الكردستاني مؤخرا للتفجير الذي استهدف مدينة “ماردين” التركية موديا بحياة 6 وإصابة 30 آخرين يؤكدان أن المسألة الكردية باتت اليوم تهدّد الوحدة الترابيّة لكلّ من سوريا وتركيا بعد أن صادرت شمال العراق برمته.

أفضت الحسابات الخاطئة لكلّ من الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى ضخّ الدماء في مشروع “كردستان الكبرى” مؤسّسا على القاعدة الأولى من أربيل ومتوسّعا على كامل الجغرافيا الإثنية الكردية في سوريا وتركيا وليس انتهاء بإيران.

لعب الأسد ورقة الأكراد للضغط على تركيا تسليحا في مرحلة أولى، وغضا للبصر عن إرهاصات الحكم الذاتيّ عبر قوات الدفاع المحليّ وأجهزة الإدارة المحليّة، اعتمادا منه على مقولة “درء الخطر الأكبر بخطر أصغر” إلى حين تسوية الأزمة وعودة الأمور إلى سالفها. وعلى النقيض من هذه التصورات باتت المناطق الكردية تكريسا لـ”الجغرافيا الجديدة” في سوريا حيث تتناقض القومية الكردية مع القومية العربية.

بدوره، أراد أردوغان التخلص من الخطر الكردي في سوريا عبر استقدام الجماعات الإرهابية إلى شمال الشام، حيث كان يعتقد أن الشريان الرئيسي لدعم حزب العمال الكردستاني متدفّق من سوريا وليس من العراق الذي تربطه بقياداته الكردية علاقات تعاون ثنائي، متوّهما بأنّ الإطاحة بـ”الكردستاني” تبدأ بتقويض حديقته الخلفيّة في القامشلي وتحييد المعقل الأكبر في أربيل، غير أنّ الحرب التركية المفتوحة لضم شمال سوريا وتحويله إلى مجال حيوي تركي اصطدمت باستقدام القوات الأميركية والفرنسية دعما لقوات سوريا الديمقراطية لا معاضدة لحربها ضدّ داعش والنصرة ولكن مأسسة للكيان الكرديّ الوليد.

لذا فليس من باب الغرابة أن يكون إقصاء رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، صاحب الأطروحات الراديكالية حيال دمشق، وتعويضه ببن علي يلدريم الذي أبرق رسالتين مضمونتي الوصول إلى النظام السوري؛ واحدة بوصف الحرب بالعبثيّة وثانية بكيل الثناء والإطراء للنظام الروسيّ في حربه ضدّ الإرهاب، وهما خطوتان في اتجاه التقارب غير المباشر، في هذه المرحلة على الأقل، للتحالف ضدّ الكيان القوميّ الكرديّ “الهائج” الذي أصبح حقيقة في سوريا بالقوة المحلية والإرادة الدولية والغباء الرسمي وهو كذلك في تركيا، ولن يهدأ قبل فرض معادلة شرب كأس السم على أردوغان والأسد، قوامها القبول بالانفصال الناعم على شاكلة كردستان العراق، أو الدخول في حروب استنزاف طويلة باستقواء أجنبي ستكون مخرجاتها المزيد من الخراب والمزيد من التمسّك بالانفصال.

المفارقة أنّ الكيانات القوميّة في الشرق الأوسط لم تعد مقامة على جغرافيتها الإثنية فحسب، بل باتت تتمدد وتتوسع على حساب الجغرافيا الوطنية التي أصبحت مستفرغة من الحضور المؤسساتي بمقتضى حروب الاستهـداف ودسـاتير التطييف، إذ من الملاحظ أنّ البشمركة، وهي قوات كردستان العراق، أصبحت تتمدد إلى الموصل وغيرها من المحافظات العراقية خارج جغرافيا كردستان.

كما أن البشمركة السورية أصبحت اليوم تتمدّد إلى القرى والأرياف القريبة من حلب وتسيطر على محافظات محاذية للرقة، بل إن صالح مسلم القيادي المعارض في هيئة التنسيق الوطنية أكد أن الرقة ستصبح جزءا من الكيان الكردي في حال تم تحريرها من قبضة تنظيم داعش الإرهابي.

من الواضح إذن أنّنا حيال جغرافيا الأقليات للكيانات الهجينة تقوم على ابتلاع الجغرافيا الوطنيّة بشكل تصبح فيه الكيانات الأقواميّة الأقلياتية مهيمنة على ما تبقّى من الدولة.

ولئن كان الأصل في العلاقة بين الدولة والأقليات أن تبنى على الاحتواء والتبني، فإن العالم العربي يشهد حاليا استقواء للأقليات على الدولة جغرافيا وثقافيا وسياسيا، بعد مراحل من هيمنة الدولة على الأقليات طمسا لخصوصياتها اللغوية والثقافية.

نموذج سوريا والعراق يعطينا زاوية تفسيرية لكيفية تحول الخصوصيّة الثقافية إلى إثنية والإثنية إلى قومية، ومنها إلى كيان أقوامي أقلياتي يقضم الدولة جغرافيا ويبتلع دورها القيادي عبر إبرام اتفاقات مع دول أخرى دون العودة إلى السلطة المركزيّة.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر