الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

المراهنة على من يغردون خارج سرب الفشل

الأصوات العراقية الشريفة المخلصة، تواجه بشتى أنواع المضايقات من خلال الإجراءات والسياسات لكي لا تأخذ مكانها الطبيعي في الحياة السياسية.

العرب د. ماجد أحمد السامرائي [نُشر في 2013/11/14، العدد: 9379، ص(9)]

لو طبقنا قياسات التاريخ والمبادئ الوطنية على الحالة العراقية لوجدنا أن جميع ما صنعه الاحتلال الأميركي وفي مقدمته بطلان الدستور. وكان ينبغي على القوى السياسية التي تتوفر لها الحدود الدنيا من حب الوطن أن تبني أسسا عملية سياسية بعد رحيل الاحتلال عام 2011 يشارك فيها الجميع ولا صلة لها بعهد الاحتلال من دون عقد أو ضغائن انتقامية أو ثأرية وإرساء دعائم السلم الأهلي، وصياغة نظام يقدّس المواطنة والعدالة والحرية وحقوق الإنسان، ويحافظ على هوية العراق التاريخية.

شعوب العالم وشعب العراق من بينها يزخر تاريخها بهذه الحقائق، فحكومة «فيشي» الفرنسية صنيعة الاحتلال النازي انتهت بانتهاء الاحتلال الألماني وحوكم رئيسها (بيير لافال) وأعدم من قبل الرئيس المحرر شارل ديغول، وأبطلت جميع النصوص الدستورية التي أنشأتها حكومته. ذلك لأن الاحتلال هو نفي لإرادة الأمة فكيف تصنع ديمقراطية في ظله؟

لكن الحالة العراقية فريدة، فالاحتلال العسكري الأميركي رحل من العراق تحت ضربات المقاومة الشعبية المسلحة، لكن لم يظهر أبطال محررون يديرون البلاد من بعده، بل استمر الحكام الذين نصبتهم قيادة هذا الاحتلال في إدارة البلد.

وكان من الطبيعي وصفهم لمن قاوم الاحتلال العسكري بــ«الإرهابيين أو الخارجين على القانون» في استنساخ غريب لوصف المحتل الذي أقام «ديمقراطية خارج السياق» منحت السلطة للأحزاب الطائفية والاثنية التي تتوافق مناهجها مع منهجه في ترسيخ الانتماءات الطائفية والاثنية، ونفي المواطنة وتفتيت المجتمع وإبقاء العراق غارقا في الفوضى، ولتصبح هذه الديمقراطية الشاذة مسرحا وفضاء لصراع النخب والطوائف على حساب وحدة الوطن.

وابتدعت فكرة الأكثرية والأقلية الطائفية لتسويق حكم الطائفة والعرق، يقول داعية حقوق الإنسان الأميركي مارتن لوثر كينج «الديمقراطية ليست استفتاء بالأغلبية، ولو استفتي الأميركيون لظل السود عبيدا».

بعد مرور عشر سنوات على الاحتلال الأميركي، لم تتكون قيادات سياسية تنشغل بخدمة المواطن، رغم ما أنفقه (المحتلون الأميركان) من مبالغ هائلة هي من قوت شعب العراق على مجاميع تحت مسميات «منظمات المجتمع المدني ودعم الإعلام والديمقراطية وغيرها» وقالوا في وثائقهم التي رفعوها للمفتش العام الأميركي الذي راقب إنفاق تلك الأموال التي نهبت منها المليارات، إنهم دربوا الآلاف من النساء والرجال على فنون القيادات الشعبية والنوعية، وتمتع هؤلاء بالزيارات لعواصم الغرب وأميركا، وبعضهم لم يكن يعرف غير مدينته أو قريته وبغداد وطهران وبلدان اللجوء، والبعض الآخر كانوا بحاجة إلى مترجمين، وغيرهم يعتقد أنه في مرتبة أعلى لكونه جاء من بلد راق كبريطانيا، وهو لم يتقن حتى إدارة دكان بقالة في لندن.غالبية هؤلاء هم من تصدر المشهد السياسي العراقي، ووضعت بين أيديهم الملايين والمليارات دون رقيب في ظرف استثنائي كان ينبغي أن ينتهي في عام 2011.

أما الكفاءات السياسية والعلمية والإبداعية من النخب الذين تحملوا أعباء بناء دولة مدنية عصرية في العراق عبر عقود من الزمن، فقد استبعدوا تحت عناوين وقوانين مختلفة جُهزّت مسبقا بالتعاون مع قيادة الاحتلال الأميركي.

لقد استخدم جزء من المال الوفير المنهوب لحماية الأطر والكيانات السياسية الطائفية والاثنية في محاولتها الآن

لتجديد هيمنتها، دون التفات لأبسط معايير الديمقراطيـة وفي مقدمتها الاعتراف بالفشل. وما يحصل اليــوم في «حمى شوط الانتخابات» لا يبشر بخير، من حيـث الإصرار وإجبـار الناخب على قبــول نفس المقـاييـس الطائفيــة والاثنيــة في خيـاراته.

يشعر نوري المالكي-مثلا- بأنه الأكفأ من بين وجوه «الائتلاف الشيعي» لاكتسابه خبرة ثماني سنوات في السلطة رغم الفشل الذريع لحكومته في توفير الأمن والخدمات، وفي طغيان الفساد وتغلغله الفاضح في شرايين الحكومة وأعضاء البرلمان المحميين من قبل الكواسج الكبيرة في السلطة والأحزاب النافذة.

ويعتقد أنه نجح في مناوراته الداخلية لتكسير الجدران الرخوة للكتل (العربية السنية) بسبب احتفاظه بملفات تورط غالبيتهم بصفقات فساد، كان أعوانه يسهلونها لهم. ونجح كذلك في تفكيك (العراقية) المشروع الذي كان بعيدا عن الطائفية، لكن أطره التنظيمية فشلت في تحمل المسؤولية، وهو يكافح من أجل إخماد جذوة الدعوات الناقدة من داخل البيت الشيعي، وهي الأصعب، إضافة إلى لعبه على نقاط ضعف القيادات الكردية في سعيها إلى المزيد من المغانم من ثروات العراق، وشعورها الآمن من عدم افتضاح مافيات الفساد قياسا على بغداد، خصوصا في الرشوة المتفشية لدى النافذين في دوائر المسؤولية المشرفة على مجالات الاستثمار وخاصة السياحي في إقليم كردستان، وتغييب ومصادرة فرص نادرة لمستثمرين عراقيين شرفاء أرادوا خدمة بلدهم هناك.

الجميع يشتغل على صفقة التستر على الجميع، ومن يخرج عن هذه اللعبة يُرمى خارج الطريق. هؤلاء هم الذين يتصدرون ميدان المنافسة اليوم، مع استثناءات طفيفة من قبل رموز وواجهات دينية لها اعتباراتها الاجتماعية خارج إطار اللعبة السياسية الرخيصة المخضّبة بالمال القذر.

وهناك محاولات من قبل من يعتقدون بقدرتهم على تجديد «اللعبة الطائفية» داخل الطائفة «العربية السنية» بثوب جديد وإمكانيات مالية جاءت عن طرق الفساد والابتزاز، مع تحويرات لفظية في الشعارات أكثر خبثا ودهاء.

وقد أصبحت لدى بعضهم قنوات فضائية وصحف، وأقلام رخيصة للتغطية والتسويق، يعتقدون أنها قادرة على منافسة القنوات الحزبية في الجهة الأخرى وتلك فاشلة مهنيا وشعبيا.

وجميع المنخرطين في السباق المحموم نحو الانتخابات لم يجرؤ أحد من بينهم على كشف حقائق المخادعة الكبرى للعملية السياسية ومفرداتها منذ الرابع من أيلول عام 2003 وإلى حد اليوم، لأنها تطيح بهم ولا يمتلكون القدرة على مواجهة الشعب بما جرى ويجري ضده من حيف ومصادرة للحقوق والثروات، ولا يفكرون في التنحي عن طريق المسؤولية لأن الجميع داخل تحت سقف اللعبة ويبحث عن حصته المقبلة، وفق مخططات لتشكيلات تطبخ داخل غرف الفنادق ذات الخمس نجوم خارج العراق، أو في أروقة الطوائف وممثليها السياسيين المفترضين وجميعهم لم يصدق مع فئته أو جمهوره.

أما الأصوات العراقية الشريفة المخلصة، فتواجه بشتى أنواع المضايقات من خلال الإجراءات والسياسات لكي لا تأخذ مكانها الطبيعي في الحياة السياسية، لأن المعركة في نظر أولئك مصيرية، وتغيب في قواميسهم المبادئ حتى تلك التي تدخل في إطار اللعبة الديمقراطية، ومن بينها إعلان الفاشل أو السارق أو المتحايل عن اعتذاره أمام جمهوره وشعبه. بل هم يتندرون بالسخرية داخل مجالسهم على أصحاب المبادئ والقيم العراقية الذين لم يتورطوا معهم. والجمهور العراقي- خصوصا في أوساط الشباب الواعي- يبحث ويتساءل عن المنقذين الحقيقيين غير الطائفيين من بين النخب السياسية والثقافية من خارج السرب الفاشل والجاهل والطائفي، ويتوقع أن يعلنوا عن مشروعهم العابر للطائفية في أية لحظة، ودخول ساحة المنافسة بأسماء عراقية وطنية. نعم لا توجد الآن معوقات موضوعية أمام الإعلان المدوي لهذا المشروع العراقي الذي سيجمع كتلا وشخصيات عراقية معروفة بوطنيتها، لكن مشكلة أصحابه هي أساسا لوجستية متعلقة بالإمكانيات المادية اللازمة لدخول اللعبة في مناخ خربه أولئك الفاشلون.

الوطنيون لا يقبلون مدّ أياديهم للخارج أو للسراق والفاسدين، وهم يقبلون العون والمساندة من أصحاب المال الوطنيين ومن أعيان البلد وعلية القوم وأصحاب الغيرة، لعلهم يقدمون خدمتهم لبلدهم العظيم العراق الذي يستحقها.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر