الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

لم يكن وصلك إلا حلماً..

في ليلة من ليالي دمشق بكى فؤاد سالم عميقاً وهو يقول إنه لا يستطيع فعل أي شيء أمام شحّ القصيدة التي تصلح لأن تكون أغنية راقية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2013/11/14، العدد: 9379، ص(24)]

كان صديقي الكاتب السعودي المهاجر إلى أميركا عبدالله المحيميد، يضطر، لسرقة "الهيموجلوبين الحيواني" من صيدلية مستشفى مدينة بريدة المركزي في السعودية، وكان موظفاً إدارياً هناك، وكان الدواء عادة ما يوزع مجاناً، شريطة أن يُحضَر المريض، أما عبدالله ففعل ذلك مراراً من أجلي، لأقوم بإرساله عن طريق الحافلات المسافرة إلى صديقي "أبي الحسن" مريض السكّر في دمشق، وأبو الحسن ذاك هو صديقي المطرب العراقي الكبير فؤاد سالم، الذي حمل همّ العراقيين وشجنهم وأحلامهم بالحرية إلى كل مكان. وفي ليلة من ليالي دمشق بكى فؤاد سالم عميقاً وهو يقول إنه لا يستطيع فعل أي شيء أمام شحّ القصيدة التي تصلح لأن تكون أغنية راقية كأغانيه القديمة "مو بدينه" أو " حبينا ضو القمر" أو "ردتك تمر ضيف" أو "غريب على الخليج" ، وأضاف شاكياً: "أجلس الآن في بيت كلّه شعراء ولا يقدّم لي أيٌّ منكم قصيدة واحدة"، والشعراء الذين قصدهم، وجمعهم بكلامه بغضّ النظر عن الفوارق الكبيرة بين قاماتهم، فقد كانوا حسب التدرج العمري والقيمة الإبداعية التصاعدية، كاتب هذه السطور، وشاعراً عراقياً من الشباب، والصديق القدير والشاعر الذي لن يتكرر مظفر النواب، أما كبير الجلسة فلم يكن سوى "أبو علي" شاعر العراق الرائد المجدّد عبدالوهاب البياتي.

أما البياتي الذي قضى شطراً من الليل نائما وهو جالس، على عادة أهل بغداد القدامى، فقد استيقظ ليبدأ معنا السهرة حين كاد الفجر أن ينبلج. كان ممتعاً بالنسبة لي أن أراقب كيف ينظر البياتي إلى النواب، فقد كان يعدّه شاعراً شاباً، لا يرقى إلى مستواه كرائد، وكان هذا أولّ لقاء بين الاثنين منذ أواخر الستينيات، أما النواب فكان بخلقه الرفيع، يبتسم ويصبر طويلاً على البياتي. وكان "أبو علي" يعترف بالريادة لنازك الملائكة، أما بخصوص السياب، فقد تشعر في أول الكلام بنبرة خفية في حديثه، لتبدأ تلك النبرة بالتفشي حتى تصبح تهكماً، من صاحب "قمر شيراز"، على صديقه السياب، ويبدأ برواية مشاوير العشق والليل في بغداد، حيث كان من البديهي أن تسمع منه أن السياب كان نحيلاً خجولاً مرتبكاً تسخر منه الفتيات، بينما يكاد يغمى عليهنّ من سحر البياتي المولود في قلب العاصمة على بعد أمتار من مسجد الشيخ عبدالقادر الكيلاني، قد أمضى آواخر أعوامه في دمشق ومات ودفن في سفح قاسيون، وهو من كتب" قريبةٌ دمشقْ.. بعيدةٌ دمشقْ.. منْ يوقفُ النزيف في ذاكرة المحكوم بالإعدام قبل الشنقْ؟ ويرتدي عباءة الولي والشهيد؟ ويصطلي مثلي بنار الشوقْ؟"

كان المحيميد يسرق الدواء لفؤاد سالم الذي أراد أن يسرق لحظة إبداعية ممن يسترقون الأرواح فيما بينهم، كما أسترقُ الآن السمع والبصر من ليلة من ليالي دمشق التي كانت، وكأنها لم تكن،… حلماً في الكرى.. أو خلسة المختلسِ.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر