الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

حكواتي الصم والبكم

أمل الحكواتي خاب وعرف أن زمن القصص والحكايات ولى من غير رجعة، وأن مكانه الحقيقي في متحف الشمع.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/06/24، العدد: 10316، ص(24)]

فوجئ الحكواتي الذي يجلس على كرسيه العالي شاهرا سيفه باليمنى ممسكا كتابه الضخم الذي يقرأ منه للزبائن في المقهى العتيق كل ليلة، فقد اقترب منه صبيّ المقهى هامسا في أذنه بأن هذا المقهى كان قد خصصه الوالي للصم والبكم قبل سنوات طويلة، وأن المعلّم كان يستحي من قول هذا للحكواتي.

شعر الحكواتي بأن كراسي المقهى وطاولاتها تدور من حوله، فهل يعقل أنه بقي يثرثر طيلة هذه الأعوام، والزبائن لم يكونوا يسمعونه؟ هل يعقل أنه كان يخبط على الطربيزة النحاسية وينط ويحط ويصيح بأعلى صوته، مقلّدا عنتر والزير، دون أن يشعر الزبائن بكل تلك المؤثرات؟ قال متنهدا “أوووف… رمتِ الفؤادَ مليحةٌ عذراءُ/ بسهامِ لحظٍ ما لَهنّ دواءُ” تذكّر عبلة الجميلة، وأبطاله الشجعان. كل هذه القصص، ذهبت هباءً منثوراً. فالزبائن كانوا يمثّلون عليه، مدّعين أنهم يتأثرون.

قرّر أن يمتثل أخيرا للواقع، فإما أن يسكت ويضع في أذنيه سدادة من فلين، وإما أن يواصل اللعبة مع زبائن لا يسمعون ولا يعون ما يقوله. أراد أن يعرف سر خداع الزبائن له، فذهب في اليوم التالي كالعادة وفتح الكتاب، والزبائن كانوا ينظرون إليه مثلما يفعلون عادة، وبيد كل واحد منهم نرجيلته. “قال الراوي يا سادة يا كرام” وبدأ يقرأ من كتابه، لكنه استرق النظر إلى الزبائن، كان أحدهم قد مدّ يده إلى جيبه وأخرج الموبايل، وبدأ يفسبك، والآخر كانت تأتيه هزّات إشعارات الرسائل عبر الماسنجر، أما الثالث فقد أخذ يتفرج على مسلسلات رمضان في جواله. فالعالم التقني ووسائل التواصل لا يتطلبان منك أن تتكلم أو تسمع.

انكسر خاطر الحكواتي وترك المصلحة في بلاده، ونوى الهجرة إلى آخر ما تحمله إليه سفينة البحر، فرمته على شواطئ قرطاج. وفي قرطاج أراد أن يسترزق الله، فاكتشف أن فنانا تونسيا كان قد توصل السنة الماضية إلى ابتكار حكواتي مخصص للصم والبكم. إنه الفنان عبدالمنعم شويات، الذي قال إن اللبيب من الإشارة يفهم، ولذلك لا ضرورة للتمييز بين البشر القادرين على السمع، وأولئك الذين حرموا منه. استغرقت معه التجارب أكثر من خمس سنوات. تمكن بعدها من وضع تصميم دراماتورجي لرضا بوقديدة، يعتمد على الحركات الجسدية، وكل مؤثرات التلقي. وتم تقديم العرض في مهرجان نيابوليس.

خاب أمل الحكواتي. وعرف أن زمن القصص والحكايات ولى من غير رجعة، وأن مكانه الحقيقي في متحف الشمع. فذهب بنفسه إليه، وهو يهجو زماننا الذي شبهه بالبخيل قائلا “قال الراوي يا سادة يا كرام إنه قد دخل شاعر في يوم من الأيام على رجل بخيل فامتقع وجه البخيل لرؤيته”. فتركه الشاعر وقام وهو يقول “تغيّرَ إذ دخلتُ عليه حتى فطنتُ/ فقلتُ في عرض المقالِ/ عليَّ اليوم نذرٌ من صيامٍ/ فأشرقَ وجهُهُ مثل الهلالِ”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر