الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

'روسوريان' وسياسة البعيد عنك قريب

الضغط المتزايد على النظام الإيراني حول صلته بالقاعدة وأحداث 11 سبتمبر في نيويورك وتخادمه مع داعش في الإبادات الممنهجة، سيدفعه إلى ارتكاب مجزرة مدبرة ضد الأبرياء من الشعب الإيراني.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/06/25، العدد: 10317، ص(9)]

الأنظمة في روسيا وسوريا وإيران، افتتحت لها رسميا نُزُلا للموبقات السياسية والعسكرية وبتصريح ومهادنة متفاوتة من العالم، وزبائن ينتاب بعضهم الإحراج أحيانا كأميركا ودول أوروبية، وآخرون يجدون فيه مـلاذهم وأمنهم النفسي والجسدي كإسرائيل.

بعد الاجتماع الثلاثي في طهران، لوزراء دفاع الأنظمة المذكورة، عبر علي شمخاني أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني عن “تزايد التعقيدات السياسية والأمنية في الأزمة السورية التي تسببت في استمرار آلام وقتل الشعب السوري”، وأكد الجنرال سيرغي شويغو وزير الدفاع الروسي على أن “التصدي الشامل للإرهاب مسؤولية دولية يجب على الجميع أن يشارك فيها لإيجاد عالم أكثر أمنا”، أما الوزير الثالث فكان طالبا نجيبا يجيد الإصغاء.

نتائج التنسيق الأمني لم تتأخر، وحصلت الضربة الروسية بقنابل الفوسفور المحرمة دوليا؛ خبراء عسكريون وصفوها بقنابل المرتبة الثانية تأثيرا وتدميرا بعد السلاح النووي.

على مرأى ومسمع كل العالم، تتجاوز روسيا كل الاتفاقيات الخاصة بحظر استخدام الأسلحة غير التقليدية، يشجعها الموقف الأميركي بتصريحات لا يمكن تصنيفها إلا كرسائل دعم خفي، ظاهرها الإبقاء على السلم العالمي من الانحدار إلى نقطة الاصطدام المروع؛ وباطنها على طريقة سياسة ولي الفقيه الرامية إلى إرخاء الحبل لساعي البريد الروسي لإفراغ جعبة رسائله إلى أميركا وأوروبا في مركز التوصيل السوري.

جون كيري، وزير الخارجية الأميركي، يقول في أحد لقاءاته مع وفد المعارضة السورية إلى جنيف وردا على سؤال محدد “لماذا لا تفرض أميركا إرادتها لوقف المأساة السورية؟”، يجيبه “أميركا لن تخوض حربا شاملة من أجل سوريا”.

وقبل أيام أعلن المتحدث الرسمي للبيت الأبيض عن استمرار الجهود السياسية لحل الأزمة السورية في رد على رسالة 51 دبلوماسيا أميركيا، طالبوا بتوجيه ضربات عسكرية مباشرة إلى النظام السوري، في موجة من الانتقادات لسياسة أوباما تجاه التهريج الروسي في سوريا، وانغلاق أفق الحل السياسي في مفاوضات جنيف لإصرار النظام وحلفائه على إبقاء الحاكم على كرسي السلطة، على الرغم من كل تفاصيل مأساة الشعب السوري.

تَجاهُل رسالة الدبلوماسيين لا يعني تحجيم أهميتها، فهي بالتأكيد إملاء لطروحات بعض راسمي السياسة الخارجية الأميركية وما يدور في أذهانهم من أفكار ورؤى ستجد وسيلة لها للمناقشة الجادة مع انتهاء الفترة الرئاسية المتبقية لباراك أوباما.

مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية جون برينان وصف إيران بدولة داعمة للإرهاب، وأبدى قلقه تجاه مداخلات نظام طهران في سوريا والعراق، وسعي ميليشياتها لتأجيج الصراعات في المنطقة، وما يمثله وجود قاسم سليماني كمصدر إيراني لإدامة العنف والتوتر والاصطفافات الطائفية وتغذية الإرهاب الذي يفترض أن يتكاتف العراقيون بكل مكوناتهم للقضاء عليه.

من سياسة الشعوذة للملالي في طهران، أنه بعد زيادة موجبات الشك المتفاقم حول تخادم نظام ولي الفقيه مع إرهاب القاعدة ونسختها داعش، رغم ما يشاع أن تنظيم الدولة يستهدف المشروعية المذهبية للحكم في إيران وملحقاته الطائفية في العراق أو سوريا أو غيرها من بؤر الصراعات، لكنه لم ينل من عدائها وإرهابها، وفي وقت اتسعت فيه موجة الإرهاب واجتاحت دولا راسخة في أمنها؛ تتابع إيران استثمارها في الحرب على الإرهاب، مندفعة داخل الحدود العراقية لمسافة 40 كم في ديالى بحجة الحفاظ على عمق أمنها القومي، وتتحرك ميليشياتها الوقحة و”الخجولة” تحت جناح ذل سلطتها في العراق، وتحاصر المدن وتقتل وتقصف وتهين وتعذب وتهدر كرامات الناس وتفعل ما تشاء مما لا يكتب أو يقال، لأنه من أفعال أسوأ فترات الظلام التي مرت بالعراق وسوريا والمنطقة.

من سياسة الشعوذة، أن الملالي ينتبهون إلى أنفسهم فلا يجدون مبررا مقنعا فعلاً لعدم استهدافهم من داعش، وهم من البديهي على رأس قائمة المطلوبين للإرهاب؛ فيلجأون بين فترة وأخرى إلى سياسة “القريب منك بعيد” بالإعلان عن إحباط “سلسلة” تفجيرات إرهابية تعتبر الأكبر في المؤامرات ضد طهران والمدن الأخرى؛ لكن الأمن الإيراني يعتقل دائما الإرهابيين دون ضجيج أو معلومات أو هويات أو مشاهدات أو صور أو حتى مؤتمرات صحافية وإبراز أدلة جرمية، ولوعلى شاكلة مخازي المؤتمرات الأمنية العراقية المفضوحة بإعدادها وسيناريوهاتها الفاشلة.

هذه ليست المرة الأولى؛ إذ سبق لإيران في متواليات زمنية أن قبضت افتراضيا على إرهابيين حاولوا تفجير مدينة قم، ومتى؟ في الأيام العشرة الأولى من شهر محرم 2014، وطبعا كالعادة لا أسماء أو هويات أو معلومات.

ما أريد التنبيه له أن الضغط المتزايد على النظام الإيراني حول صلته بالقاعدة وأحداث 11 سبتمبر في نيويورك وتخادمه مع داعش في الإبادات الممنهجة، سيدفعه إلى ارتكاب مجزرة مدبرة ضد الأبرياء من الشعب الإيراني، وليس بمستغرب أن أحد ضحاياها من المغضوب عليهم أو حتى المقربين من ولي الفقيه، وصحيفة سوابقهم تزخر بتقديم القرابين خدمة لمشروعهم.

عندها ستكون إيران في توقيت آخر وقطعت لنفسها تذكرة لدخول النادي الدولي لممارسة الإرهاب بقلب مفتوح ونفس مطمئنة بالإفلات من العقاب، وهو أشبه بطلب القاضي من المتهم أداء اليمين لتبرئته من جريمة قتل “قيل له: إحلف، قال: جاء الفرج”.

تندرج تحت وصفنا، جريمة قصف النظام السوري للغوطة الشامية بغاز السارين في 21 أغسطس 2013، كان توقيت الإبادة بعد ثلاثة أيام من وصول بعثة المفتشين الدوليين إلى دمشق، والبديهي جدا أن التحليلات المباشرة والسريعة لا تدين النظام الحاكم، لأنه من غير المعقول أن يقوم بفعلته مع وجود المفتشين وقربهم من مسرح الجريمة؛ والحقيقة هي ما أفرزته التحقيقات وصور الأقمار الصناعية وغيرها من الأدلة، وما قدمته الجريمة من خدمة لبقاء النظام، وخلاصه من رهاب الخط الأحمر للرئيس الأميركي باراك أوباما، وتسليم السلاح الكيمياوي في ما بعد بسيناريو روسي، بما يؤكد أن وجود المفتشين كان عاملا أساسيا لارتكاب الجريمة لتحويل أنظار العالم وتسفيه كل من يتهم النظام، رغم الأدلة وبشاعة الإبادة.

كذلك الانفجار الذي استهدف بنك لبنان والمهجر خلال هذا الشهر، وهو البنك الأكثر تشددا في تطبيق العقوبات الأميركية ضد الحرس الثوري اللبناني؛ فما إن وقع الانفجار تبارى المحللون السياسيون إلى إبعاد الشبهة عن المتهم المباشر غير “الساذج” الذي لا يمكن أن يفعلها لوجود القصد المسبق البديهي.

آخر ما توصلت إليه الموبقات السياسية لمثلث “روسوريان” وأعني به أنظمة روسيا وسوريا وإيران، هو البرهان أنه لم تعد هناك خطوطا حمراء بوجه الإبادة الممنهجة، وإن المجرم قد يضطر إلى ضرب رأسه أو رأس أقرب الناس إليه في الحائط، لإبعاد التهمة عنه، كما تجري الأمور في أفلام مقاولات السياسة الدولية، حيث الحياة بلا فضائل.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر