الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الغنوشي وباريس ودولة الشيخين

هذه المرة لن يقول الغنوشي سنخرج من الحكومة ونبقى في الحكم، بل سيقول سنؤمن مكانتنا في الحكومة القادمة ومنظومة الحكم الحالي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/06/25، العدد: 10317، ص(9)]

ليست باريس عاصمة عادية بالنسبة إلى تونس ولقادتها السياسيين ولفاعليها التجاريين والاستثماريين، فهي الشريك الاقتصادي الأول وهي واحدة من أهم الأطراف الدولية الداعمة للانتقال الديمقراطي في تونس.

وليست تونس كأي عاصمة عربية لدى فرنسا، ففيها جزء معتبر من قوتها الناعمة الثقافية واللغوية، ناهيك عن أن تونس تمثّل إحدى البوابات الرئيسيّة لضمان أمن الضفة الشماليّة للمتوسط من خطر الإرهاب والهجرة غير الشرعيّة.

أن يتوجّه رئيس أكبر حركة سياسيّة وأوسع كتلة برلمانيّة في تونس، إلى فرنسا للقاء مسؤولين كبار فرنسيين وإجراء مناقشات مطولة مع وزير الخارجية جون مارك إيرولت ورئيس مجلس النواب الفرنسي وشخصيات أخرى في زيارة تتم في ظل المشاورات الواسعة والمعقدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، دليل على أن الزيارة سواء في مستوى شخوصها أو سياقها السياسي والاستراتيجي غاية في الأهمية.

شكلت باريس باحتضانها اجتماع الباجي قائد السبسي وراشد الغنوشي إطارا للتوافق السياسي ومقدمة لتجاوز مرحلة الانقسامات التي كادت أن تؤدي بالبلاد إلى الهاوية، كما مثّلت العاصمة الفرنسية عمقا استراتيجيا لسياسات الرباعي الحاكم في البلاد وللباجي قائد السبسي الذي كان أول الرؤساء قصدا للإيلزيه للتعزية بشهداء العمليات الإرهابية في باريس (نوفمبر 2015).

لن نخوض في تاريخ العلاقات التونسية الفرنسية الاستراتيجية والمتينة، غير أنه من الواضح للمتابعين أن زيارة راشد الغنوشي لباريس تتضمن دلائل وحقائق بعيدة كل البعد عن الخطاب الروتيني المؤثث للزيارة، وهي دلائل لا يمكن أن تفهم إلا في سياق المهام المركبّة للغنّوشي.

اختار رئيس حركة النهضة العاصمة الفرنسية كأول محطة يزورها بعد مؤتمر الحركة والذي اعتبر وفق نصوصه الختامية استثنائيا عقب إقرار الفصل بين الدعوي والسياسي، وهي نقطة يسعى الغنوشي إلى استثمارها للتسويق للعنوان الجديد للنهضة لدى الأطراف الدولية المتوجسة والمتحفظة من المنظومة الفكرية والأيديولوجية لحركة الإخوان المسلمين.

لم تكن العلاقة بين باريس والإسلاميين في تونس في يوم ما وديّة، بل كانت باريس تتعامل مع ملفاتهم زمن نظام زين العابدين بن علي من زاوية لجوء إنساني أكثر منه سياسي، في مقابل مساندتها اللوجستية لأصحاب الأطروحات الفكرية والسياسيّة التقدميّة سيما منهم أولئك الذين درسوا في جامعاتها أو الذين يدعمون مقاربتها اللائكيّة في إدارة الشأن العامّ.

اليوم، يسعى الغنوشي عبر توظيف لنتائج المؤتمر العاشر إلى فتح صفحة جديدة مع باريس التي تعتبر المجال الاستراتيجي والحيويّ لأي فريق حاكم، وهو ما لا ترفضه باريس في ظلّ حربها على الإرهاب، إذ تسعى إلى تأمين أوسع قدر ممكن من التحالف مع جهدها العسكري المباشر في سوريا وغير المباشر في ليبيا.

المهمة الثانية للغنوشي مرتبطة بصفته الرئيس الفعلي للكتلة النيابية الأغلبية، وبالتالي فهو الفاعل الأساسي في تشكيل وشكل الحكومة القادمة إن سارت الأمور وفق التوافق الثنائي بين السبسي والغنوشي.

وهنا يكمن دوره في طمأنة الجانب الفرنسي على الشراكة الاقتصادية والأمنية والعسكرية الثنائيّة، عبر التأكيد على ديمومة التحالف الاستراتيجي بين نهضة الغنوشي ونداء السبسي، خاصّة وأن التقارير الاقتصادية من جهة، والأوضاع الكارثية في ليبيا والحساسة في الجزائر من جهة أخرى تضع تونس على بركان من الأزمات المتراكمة والمركبة.

هذه المرة لن يقول الغنوشي سنخرج من الحكومة ونبقى في الحكم، بل سيقول سنؤمن مكانتنا في الحكومة القادمة ومنظومة الحكم الحالي، ذلك أنّ شروط إقصاء النهضة في 2013 لم تعد قائمة اليوم، فلا المعارضة تمتلك البديل ولا الرباعي الراعي للحوار، بشكله القديم، يريد الدخول في مغامرة سياسية ثانية قد تفقده الرصيد الرمزي الذي حققه في 2014 دون أن تؤدي إلى نتيجة تذكر، وهو ما تعرفه باريس جيّدا.

وهكذا يدمج الخاص الحزبي، بالعام الرسمي في تونس، فيكون خراج الدبلوماسية الحزبيّة تسويق لنتائج المؤتمر وإشهار لصورة الحزب لدى دوائر اتخاذ القرار الدولي من جهة، وطمأنة على الوضع الحالي للبلاد وللتداعيات الممكنة من جهة أخرى.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر