الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

عبد الحليم حافظ لم يكن قديسا: مسلسل وفيلم عن حياة 'رومانسية'

الأعمال الفنية ذات البعد الواحد، أو الخالية من الأبعاد، تكتفي بتصوير النجوم نبلاء وقديسين وشهداء، حصّنوا أنفسهم من شِراك نصبها أوغاد في مجتمع لا يرحم.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/06/26، العدد: 10318، ص(15)]

هل كانت رومانسيته مجرد قناع يخفي شخصية جاحدة؟

كان مسلسل «أسمهان» استثناء يؤكد قاعدة غير ذهبية في الأعمال الفنية العربية عن سير المشاهير. لا شيء يدين هؤلاء لو تناولتهم الأفلام والمسلسلات بشرا من لحم ودم، يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، ويغارون من الآخرين، ويدبرون المكائد، بدلا من جعلهم قديسين بينهم وبين الملائكية خطوة، لا يتردد صناع العمل الفني أحيانا في دفع صاحب الكرامة إلى أن يخطوها فيصير ملاكا.

نجح مسلسل «الملك فاروق» في نفي ما أشيع عن إدمانه على الشراب، ولكنه رسّخ صورة كاذبة عن الملك الأقرب إلى أبطال التراجيديات الإغريقية، وتجاهل حقائق تاريخية سجلها شهود عن ملك مقامر، مريض بالاستحواذ، وتغويه السرقات الصغيرة. تلك ندوب وفجوات تغتفر للضعف الإنساني وتثري الدراما، ولكنّ للتمويل وشبكات الإنتاج أدوارا وأغراضا أخرى في «لعبة الأمم»، وصياغة تاريخ رموزها.

وقد خلا مسلسل «أم كلثوم» إلا مما يرسّخ صورتها المهيبة الراسخة أصلا في الذاكرة الجمعية، بعيدا عن تفاصيل ومواقف كانت ستدعو المشاهد إلى الاقتراب من ميراث الماضي، ذلك العبء النفسي الذي ينهش في الذاكرة، ويدفع «النجم» إلى حرق مراحل المرارة، وافتعال خصومات تعفيه من دفع فاتورة إلى أصحاب الفضل، فيصير قاتلا على نحو أو آخر. لا تأبه أم كلثوم لآلام محمد القصبجي العاشق الصامت، بعد «رق الحبيب». تجاهل «المعلم» أنها صارت «الست»، «صاحبة العصمة»، وأنه جزء من ماض غير مسموح له بالصراخ «أنا اللي صنعتك»، فيكون جزاؤه القتل الرحيم، وترفض ألحانه، ويصاب بعقدة نفسية وانعدام ثقة، وتتآكل ذاكرته وينسى جملا لحنية، فتعزله من رئاسة فرقتها الموسيقية، وتعهد بذلك إلى عازف القانون محمد عبده صالح، ويستمر القصبجي مجرد عازف، موجود وغير موجود، بقايا هائم خلا وجهه حتى ممّا يدل على التبرّم.

روى أحمد فؤاد نجم أن عبدالحليم شبانة كان زميلا له في ملجأ للأيتام في محافظة الشرقية. ثم أصبح نجم شاعرا صعلوكا غير مبال، وأنكر عبدالحليم «حافظ» معرفته به. كان حضور نجم يذكّر عبدالحليم «النجم» بتاريخ لا يليق بالمجد الجديد، ولم يقتصر هذا الإنكار على رفيق فقر الطفولة، وإنما امتد ليشمل بقسوة محمد الموجي، رفيق الخطوات الأولى وسنوات الصعود، منذ لحن لعبدالحليم أغنيته الأولى «صافيني مرة». كنت أقرأ قصة سيرة حياة عبدالحليم، وتشمل مذكراته التي نشرت عام 1957 في مجلة «الكواكب» المصرية، وشهادات لأخيه إسماعيل شبانة، وأحمد فؤاد حسن وبليغ حمدي وكمال الطويل والشاعر مجدي نجيب الذي كتب بضعة فصول أحدها عنوانه «دموع الموجي».

في نهاية عام 1968 كان مجدي نجيب في زيارة للموجي الحزين بسبب خصومة بدأها عبدالحليم، ولا يريد إنهاءها، عقابا للموجي على منح ألحانه لمطربين آخرين. قال الموجي إن عبدالحليم «يريد احتكار ألحاني». موقف يكرّر أزمة القصبجي مع أم كلثوم، ولكن الأقدار لم تشأ للمأساة أن تكتمل بين الموجي وعبدالحليم. كان القصبجي قد أحدث ثورة لحنية بأعمال منها «قلبي دليلي» و«اضحك كركر» لليلى مراد، وبلغ ذروته في تلحين «إمتى هتعرف إمتى» و«اسقنيها بأبي أنت وأمي» و«يا طيور» لأسمهان «الحاجز الصوتي الذي لم تستطع مطربات عصرنا اجتيازه حتى الآن»، كما وصفها كمال النجمي. وتذكر رتيبة الحفني في كتابها «محمد القصبجي: الموسيقي العاشق» أن أم كلثوم «أحسّت بخطورة هذا الصوت عليها، فعملت على حصر ألحان القصبجي لها، إلا أن القصبجي تعلق بأسمهان واستمر يمدها بالألحان».

كان الموجي يعيش على عائد ألحانه، ولا ينفق على أسرته من عمل آخر، ولا يليق بصديقه أن يمارس عليه وصاية، وفي الوقت نفسه يغنّي ألحان آخرين أبرزهم بليغ حمدي في ذلك الوقت. قال الموجي في استياء وغضب «عبدالحليم مدين لي بنجاحه في رحلة الغناء التي بدأناها سويا.. لا أقبل جحوده الإنساني، فلا تغترّ برومانسيّته إنها مجرد قناع يستخدمه أمام جمهوره». ما لا يمكن لقارئ المذكرات نسيانه أو غفرانه لعبدالحليم أنّ الموجي كان يقول هذا الكلام يوم عيد ميلاد ابنته «غنوة»، ويحتاج بعض المال لشراء هدايا وإقامة احتفال عائلي بهذه المناسبة، وأرسل إلى عبدالحليم يطلب بعض المال فاعتذر. بكى الموجي، ثم قال إنه اتّصل مرة ثانية بعبدالحليم، وأوضح أنه لا يطلب «منحة»، وإنّما «سلفة» تخصم من حساب ألحان قادمة ستنتجها شركة «صوت الفن» التي يمتلكها محمد عبدالوهاب وعبدالحليم. كان الموجي يرتعش، وفي اليوم التالي أصيب وجهه بشلل نصفي، وعجز بضعة أيّام عن الكلام.

لم يكن لهذه الندوب النفسية ذكر في فيلم «حليم» أو مسلسل «العندليب»، وقبلهما فيلم ومسلسل عن أم كلثوم. الأعمال الفنية ذات البعد الواحد، أو الخالية من الأبعاد، تتعفف عن ذلك، وتكتفي بتصوير النجوم نبلاء وقديسين وشهداء، حصّنوا أنفسهم من شِراك نصبها أوغاد في مجتمع لا يرحم. هكذا يكون المشاهد مهيأ لتقديس حكّامه، أولئك معصومون من الخطأ، في الوعي العام والأفلام، منذ «الناصر صلاح الدين» إلى ما بعد «ناصر 56».

روائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر