الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

الاحد 23 يوليو/تموز 2017، العدد: 10700

ناشرات سوريات

ناشرات كن واجهات لتبييض أموال أزواجهن، ومن أجل إبعاد شبهة السرقة والاختلاس عنهم، سجلوا رخصة هذه الدور بأسماء زوجاتهم.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/06/28، العدد: 10320، ص(15)]

كان لافتا في الحياة الثقافية السورية ذلك التحول الذي طرأ على حركة النشر، عندما سمح النظام بتأسيس دور نشر خاصة. قوبل هذا القرار بإقبال واسع من قبل المثقفين وغير المثقفين للحصول على رخص لإنشاء دور نشر خاصة بعد حرمان استمر عقودا، ظلت الدولة تحتكر خلالها صناعة الكتاب. لكن المثير للدهشة في المشهد كان عدد النساء اللواتي افتتحن دور نشر خاصة بهن، حملت أسماءهن أو أسماء عائلاتهن، وكأنهن يفتتحن مشروعا للدعاية الشخصية.

هذا الدافع سيظهر أكثر عندما نعرف أن أغلب هؤلاء الناشرات جئن من خارج الوسط الثقافي، ولا يملكن أي تصور عن العمل الثقافي أو عن هذه المهنة التي تسمى مهنة المتاعب، ما دفعني عندما كنت أعمل في الصحافة الثقافية إلى إعداد تحقيق موسع عن هذه الظاهرة، قابلت لأجله جميع مالكات هذه الدور بغية التعرف إلى الأسباب التي دفعت بهن لاختيار هذه المهنة المتعبة.

المفارقة الأولى التي اكتشفتها أن أغلبهن ليست لديهن أي رؤية، أو خلفية ثقافية تحكم عملهن، بل إن بعضهن لم يكن لديهن الوقت لإدارة مشروع كهذا، كما كان حال وكيلة شركة إلكترونيات أميركية كبيرة. ناشرات أخريات كن يسعين من وراء تأسيس هذه الدور إلى تحقيق مكاسب مادية وسلطوية في دولة الامتيازات، لا سيما بعد أن عملن على تعزيز ذلك بالمنتديات والأنشطة الثقافية، وعندما لم يحصل ذلك، ولم يتحقق طموحهن توقفت دور نشرهن عن العمل.

ناشرات أخريات كن واجهات لتبييض أموال أزواجهن، ومن أجل إبعاد شبهة السرقة والاختلاس عنهم، سجلوا رخصة هذه الدور بأسماء زوجاتهم، والغريب أنها الدور التي استطاعت أن تستمر في إصدار منشوراتها دون أن تكون لها أي هوية، أو أن تضيف إلى صناعة الكتاب في سوريا شيئا ذا قيمة.

إحدى الناشرات عندما فشل مشروعها ولم تستطع أن تتخذ منه منصة لتحقيق طموحاتها السلطوية، لجأت إلى عمليات النصب على بعض الكتاب المعروفين، من خلال استلام أجر الطباعة سلفا إثر اتفاق شفاهي، ومن ثم الامتناع عن طباعة كتبهم، مستغلة حالة الفساد المستشرية في أروقة القضاء ودعم السلطة. هذه الظاهرة وغيرها كانت جزءا من فساد الحياة الثقافية، التي كانت امتدادا لعملية إفساد المجتمع.

كما أن هذه الظاهرة لم تكن سوى امتداد لحالة الفساد المستشرية في البلاد، وهي الحالة التي حولت هذه الظاهرة التي كان يمكن لها أن تحسب لصالح دور المرأة في الحياة الثقافية، إلى عبء على هذه الحياة التي لم يكن ينقصها المزيد من الفساد والمحسوبيات، وتسلط أشباه المثقفين على إداراتها ومؤسساتها.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

:: اختيارات المحرر