السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

فيسبوك يعيدني إلى حي الخمارة

اليوم طالعني على فيسبوك هذا الخبر من صفحة بلدية دير الغصون الرسمية “بحضور رئيس البلدية وجمع من المواطنين تم افتتاح المصلى الجديد في “حي الخمارة” حيث أقيمت أول صلاة تراويح به.

العرب إياد بركات [نُشر في 2016/06/30، العدد: 10322، ص(18)]

مع أن فيسبوك فضاء حديث إلا أنه أصبح بمثابة شبكة تصطادنا باستمرار وتعيدنا للماضي وتبقينا مرتبطين متصلين به وبأماكن سكناها وأشخاص عرفناهم، لم أكن أتوقع عندما كنت من أوائل المشاركين في شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك أنه سوف يجعلني مطلا بشكل يومي من خلال نافذته على تلك البلدة التي ولدت بها وترعرعت بين أغصانها، والتي أعيش بعيدا عنها وعن شخوصها وأحداثها في قارة أخرى. مع ذلك فكل حالة وفاة، كل عرس وكل نجاح أو مصاب يعلن على فيسبوك، يسحبني كخيط إلى الماضي بذكرياته وجغرافيا قديمة لم تعد قائمة أو تغيرت بعد أن التهمتها البيوت الجديدة والتوسع والتكدس السكاني. من منفاي الاختياري تبدو البلدة مختلفة ولم تعد تتطابق مع ذاكرتي العتيقة سوى بالأسماء، لم تعد تلك البلدة الوديعة الصغيرة المكللة بالبساتين والأماكن الأثرية التي يعود بعضها إلى سبعة آلاف عام قبل الميلاد أوأكثر كما كانت.

أسماء الأماكن في دير الغصون تدل على تاريخ ضارب في القدم وعلى روايات قديمة بعضها محفورة في الذاكرة وبعضها أصبحت الآن منسية أو مبهمة، وشخوص لسبب ما تركوا أسماءهم لاصقة بالأماكن دون تفاصيل، مثل خربة واصل، نسبة إلى واصل بن عطاء، وهذا المكان في دير الغصون الذي كان آخر معقل له وللمعتزلة قبل أن يندثروا.

اليوم طالعني على فيسبوك هذا الخبر من صفحة بلدية دير الغصون الرسمية “بحضور رئيس البلدية وجمع من المواطنين تم افتتاح المصلى الجديد في “حي الخمارة” حيث أقيمت أول صلاة تراويح به. نسأل الله أن يجزي القائمين عليه كل الخير”.

يا إلهي، الخمارة أصبحت الآن حيّا يدعى حي الخمارة، وحي الخمارة أصبح له مسجده الخاص! أعرف الخمارة، أتذكرها جيداً، فهي أحد تلك الأماكن التاريخية القديمة جدا في دير الغصون والتي تعود إلى فترات ما قبل الإمبراطورية الرومانية، تعود إلى زمن كان هذا المكان (الخمارة) تنهال عليه ثمار الكرمة (العنب) من المناطق المحيطة لتعصر وتخمر وتصبح نبيذاً شهيا على موائد أجدادنا العامرة يزين مواسمهم واحتفالاتهم وفرحهم وحزنهم، كنت عندما أسير في هذا المكان، خصوصا في وقت الغروب، أكاد أشتم رائحة النبيذ حتى قبل أن أعرفه، كنت أكاد أسمع صوت عصر العنب، ودقات أقدام النسوة والفتيات عليه، مع أن الخمارة كانت في ذلك الوقت مكانا لأشجار الزيتون العتيقة ولا أثر لكروم العنب فيها إلا أن الاسم والروايات كانا يطغيان على المكان!

أنا حزين لأن ذلك المكان الجميل أصبح حيا سكنيا قد لا أتعرف عليه الآن إن شاهدته وسعيد لأن الاسم مازال قائما شاهداً حتى على المسجد الجديد.

دير الغصون، بلدة عتيقة جداً، موغلة في القدم، كل زاوية مزروعة بعناية مطلقة، وكل شيء بها له اسم قديم يدل على حضارات وثقافات قديمة تناوبت على السكن فيها، ففيها أشجار زيتون معمرة يسميها السكان الزيتون الرومي، وهذه التسمية للتدليل على قدمها الذي قد يعود فعلا إلى تلك الحقبة عندما كانت فلسطين ودير الغصون جزءا من الإمبراطورية الرومانية.

في ذاكرتي دير الغصون عبارة عن حديقة كبيرة متواصلة، بستان البساتين، لوحة خلابة في وقت الربيع كسجادة عجمية مرصعة بألوان زاهية، في نهاية الشتاء وبداية الربيع تبدو سفوحها وكأنها مكسوة بالثلج ناصع البياض من كثافة أزهار اللوز البيضاء، كانت بلدة جميلة قليلة السكان، فيها مسجد واحد وزاوية وحيدة والآن أصبحت مكتظة بالسكان وبها عدة مساجد ومصليات آخرها مسجد حي الخمارة.

كاتب فلسطيني مقيم في لندن

إياد بركات

:: مقالات أخرى لـ إياد بركات

إياد بركات

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر