السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

التوازن المفقود

المشكلة في أن يستحوذ العمل على كل حياتنا، ويصبح لدينا المزيد والمزيد من المهام خلال أيام الدوام وحتى في أيام العطل وتلاحقنا إلى ساعات متأخرة من الليل ولا نجد متسعا من الوقت لأنفسنا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/07/01، العدد: 10323، ص(21)]

خلق توازن بين العمل والحياة الشخصية، أصبح من الأمور التي يصعب تحقيقها، بسبب الضغوط التي فرضتها التكنولوجيا الحديثة، والتي جعلت العاملين رهن طلب المديرين في أي مكان وأي زمان.

كما ساهمت التطبيقات التكنولوجية المتعددة في الاتجاه نحو خيار العمل من المنزل، الذي قد يبدو في ظاهره حلما جميلا للكثيرين، ممن يتوقون إلى الاستيقاظ على راحتهم وتناول فطورهم على مهل، والقيام بعملهم وهم مستلقون على الفراش أو ممددون على الأرائك، ولكن الواقع قد يكون أقل جاذبية من طموحهم المنشود.

العمل مهم في حياتنا، وجميعنا لديه تفهّم فطري لمتطلبات الحياة التي تفرض على أغلبنا مواصلة العمل لساعات إضافية، وهناك من يشعر بمتعة كبيرة أثناء أدائه لمهنته حتى لو كان ذلك لساعات طويلة، ولكن المشكلة هنا في أن يستحوذ العمل على كل حياتنا، ويصبح لدينا المزيد والمزيد من المهام خلال أيام الدوام وحتى في أيام العطل، وتلاحقنا إلى ساعات متأخرة من الليل، ولا نجد متسعا من الوقت لأنفسنا ولا للأشخاص الموجودين في حياتنا والذين هم جزء منها.

ألن يؤدي هذا كله إلى إرباك الساعة البيولوجية لأجسامنا ولا يترك لنا أي مجال لتصفية أذهاننا والاستمتاع بحياتنا العائلية، بعيدا عن ضغوط العمل التي يمكن أن تنعكس على جميع أفراد الأسرة، وتقلب حياتهم رأسا على عقب.

وقد أوصى خبير الصحة الألماني فينديموت الموظفين بعدم تصفح الرسائل البريدية الخاصة بالعمل أثناء وجودهم في المنزل، حتى وإن توفرت لهم جميع الإمكانات التقنية، لأن ذلك من شأنه أن يجعلهم تحت ضغط عصبي في حياتهم العملية والشخصية.

ولكن يبدو أن أغلبنا لا يعمل لا بنصيحة فينديموت ولا بجميع النصائح التي يتناقلها الخبراء حول أهمية الفصل بين العمل والمنزل، بعد أن كشفت الدراسات الجديدة أن نسبة رسائل البريد الإلكتروني الخاص بأماكن العمل وصلت نحو 55 بالمئة من إجمالي عدد رسائل البريد الإلكتروني المرسلة في يوم واحد بجميع أنحاء العالم عام 2014، وأغلبها قد تم التعامل معها من أجهزة خاصة خارج مكاتب العمل.

الأكيد أن الاعتماد على البريد الإلكتروني وعلى المواقع الاجتماعية كوسائل للاتصالات قد أعاد صياغة الطرق التي تنفذ بها الأعمال، فخلال جيل واحد، تطورت عملية إرسال واستلام المعلومات من عملية بطيئة وغير مؤكدة إلى عملية فائقة السرعة والجودة، ولكن مع كل هذه الإيميلات المرسلة والمستلمة، لا عجب في أن تتحول بيوت الموظفين إلى مكاتب إضافية للعمل، ويصبح التحدث في أمور الشغل متداخلا حتى مع الأوقات الممتعة لأفراد الأسرة، وفي غالب الأحيان منغّصا لها.

وفي فرنسا على سبيل المثال، ناقش البرلمان في العام 2014 مشروع قانون يحمي الموظفين من ضغوط مديريهم التي تدفعهم إلى متابعة العمل إلكترونيا بعد انتهاء ساعات الدوام الرسمي.

وقد نص مشروع القانون على ضرورة إغلاق الموظفين لهواتفهم النقالة الخاصة بالعمل لدى انتهاء ساعات الدوام والامتناع عن مراجعة البريد الإلكتروني الخاص بالعمل أيضا.

ولكن حتى لو طبق هذا القانون بحذافيره في جميع الدول، بما فيها العربية، -وهذا مستبعد جدا لأن أغلب بيئات العمل فيها ليست صحية وعادلة، ولا تعمل على ازدهار المؤسسات والموظفين معا- فإن المؤكد أيضا أنه يستحيل على أي شخص اليوم التخلي عن هاتفه الذكي بعد أن أصبح خاضعا له ومدمنا على تطبيقاته، ويبقى الشيء الممكن دائما هو الرضا بانهيار العلاقات بدل تغيير العادات.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر