الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

طوط

الـ”طوط” محملة بالمعاني، فهي تشخص المادة المشتراة، قد تعني علبة معجون طماطم وقد تعني زجاجة حليب قليل الدسم. إضافة إلى كل هذا، فإنها تعني أيضا سعر البضاعة بلا مساومة أو جدال.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/07/05، العدد: 10327، ص(24)]

يقولون “بين البائع وبين الشاري: يفتح الله” وهم يعنون أن لا شيء يلزم الإنسان بالشراء. ويستخدم المثل استعارة عن علاقات إنسانية أوسع. يفترق المحبان فيقول أحدهما للآخر بين البائع وبين الشاري يفتح الله، وهكذا.

ورغم أنها عبارة توقف الكلام والجدل لكنها خاتمة وليست بداية. هي خاتمة حديث طويل ومباراة ذهنية ونفسية بين الزبون والبائع. اختتام فاصل المساومة الشيق. في العراق نسمي العملية “المعاملة”

وفي مصر اسمها “المفاصلة”. المساومة فعل إنساني ومبارزة بين اثنين من البشر. كل يوظف ذهنه ومهارته وفيها فائز أو رضا الاثنين بحل توافقي أي “تعادل”.

الرأسمالية لا تحب هذا وتفضل أن تتم المعاملات التجارية بأسرع وقت. لذا يرتفع حجم التبادل على مدار اليوم دون هوادة ولا انقطاع. في الغرب الرأسمالي انقرضت المساومة. والآن صرت تشتري كل ما تريد ولا يصدر عن البائع كلمة. كل شيء يمضي بسرعة ولا يصدر عن البائع سوى صوت صغير يقول “طوط” تتبعه طوط أخرى وأخرى لكل مادة اشتريتها. والصوت يصدر من جهة البائع لا من البائع نفسه: صوت أوتوماتيكي يصدر عن شيء اسمه الماسح الضوئي.

هذه الـ”طوط” محملة بالمعاني، فهي تشخص المادة المشتراة، قد تعني علبة معجون طماطم وقد تعني زجاجة حليب قليل الدسم. إضافة إلى كل هذا، فإنها تعني أيضا سعر البضاعة بلا مساومة أو جدال. لا أحد يعارض الـ”طوط”. ينصاع الإنسان ويدفع دون نقاش، وفي ظرف دقيقة تنتهي المعاملة التجارية دون مقاومة والشاري يدفع ويخرج كمن تلقى أوامر من دكتاتور مؤذ.

عشت في الغرب طويلا وانصعت كثيرا لصوت الـ”طوط” الآمر وعندي حنين للاحتكاك الإنساني لدى المساومة. عملية الشراء والدفع في ثقافتنا محمّلة بالحكايات والنوادر والشطارة. فقدت جزءا كبيرا من مهاراتي في المساومة بسبب البعد عنها لعقود. وفي زياراتي لبلدان عربية تنكشف قلة حيلتي أمام أول بائع خضار على الرصيف.

كنت في القاهرة وكان هناك رجل يبيع المانجة على الرصيف وعنده صندوق مانجة وصندوق فارغ قلبه وجعل منه منصة عليها الميزان. كانت المانجة خارج الموسم قليلا.

اقتربت منه وسألته بكم الكيلو، فرد بتثاقل من يستعد للنزال وقال بـ16 جنيها. فقلت له “حسنا، السعر لا يناسبني” وودعته وأردت المضي في طريقي. فصرخ البائع إذ استفزه هذا الخرق للبروتوكول وهذه الاستهانة بالأعراف.

صرخ “إلى أين أنت رائح أنا قلت لك السعر الذي يناسبني وعليك أن تقول ما يناسبك”. حاولت التملّص لكنه أصر على أن أقول ما يناسبني. فقلت مضطرا “عشرة جنيهات”. زاد غضبه اشتعالا وزعق قائلا “عشرة جنيهات يا ظالم، عشرة جنيهات. هل تريد أن تخرب بيتي ويتسول أطفالي في الشوارع؟ هل يرضيك هذا؟”.

أكدت له أني لا أريد أن أخرب بيته ولا أتمنى لأطفاله سوى الموفقية والنجاح ودوام الصحة. وتحركت وهو يصرخ خلفي “تعال نكمل”. المهم، لم أشتر مانجة لكني فزت بحكاية. أحسن من الـ”طوط، طوط طوط…”.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر