الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الإعلان سيد الشاشات

يصنع الإعلان التجاري جمهوره الخاص، حتى الأطفال تجدهم يرددون لا شعوريا مضامين الإعلانات التجارية ويقلدون أصوات وحركات الممثلين في تلك الإعلانات.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/07/05، العدد: 10327، ص(18)]

عندما نتحدث عن أنماط الاستهلاك في المجتمعات الحديثة، فإن الحديث سيقودنا مباشرة إلى الإعلان التجاري الذي يقيم في البيوت ويتسلل إلى العقل الواعي والباطني للإنسان العادي بشكل لا يمكن مقاومته أو تفاديه.

يصنع الإعلان التجاري جمهوره الخاص، حتى الأطفال تجدهم يرددون لا شعوريا مضامين الإعلانات التجارية ويقلدون أصوات وحركات الممثلين في تلك الإعلانات.

لكن ذلك كله لا يكفي إذ لا بد من المزيد من اجتذاب المشاهد وتطويقه من كل جهة، سواء عبر عمليات سحب على سيارة من أحدث الموديلات أو شيك بمبلغ كبير أو دار فخمة وكل هذا لمجرد أن تشتري المنتوج وتدخل السباق.

وعلى هذا صار المشاهد عاجزا عن التخلص من سطوة الإعلان، فهو مغر ويحرك خيالات مشاهديه لغرض التمدد في الرفاهية وهو يصنع جيلا من عشاق الإعلانات هم هؤلاء الصغار والفتية، حيث صار يشوه البرامج والمسلسلات يمزقها وينثرها في شكل مشاهد مقطعة ويندس من بينها.

لا توجد في عرف الإعلان التجاري حدود لتوقيت عرضه، متعة مشاهدة المسلسل والفيلم تصبح ليست أولوية، ولهذا سيتسلل الإعلان إلى العديد من المشاهد الدرامية ومشاهد الذروة كاسرا لحظة التوحد والتماهي بين المشاهد والشخصيات خاصة في الأعمال الدرامية ومخلفا مشاهدا صريع الضربة الإعلانية إما أن يكون مجبرا على الصمود أمام الموجة الإعلانية بغثها وسمينها أو أنه يخرج من مكان المشاهدة لبضع دقائق ليعود فيجد ممثليه المفضلين وقد عادوا من وقفتهم الإعلانية الإجبارية.

كسر قاعدة المشاهدة المتواصلة المنسابة من دون توقفات إلى النهاية هو من أكبر آثام الإعلان التجاري وبالتالي آثام القناة الفضائية ولكنها غير مكترثة باعتراضاتنا مادامت تبيع الثانية في وقت الذروة بمبالغ كبيرة، فما نفع استرسال المشاهد واحترام ذائقته أمام الملايين التي تدرها الإعلانات التجارية إلى القناة؟ بل إن هناك قنوات فضائية تحاول أن تفعل الشيء ذاته، ولديها الاستعداد لأن تضحي بكل قوانين المشاهدة في مقابل حزمة إعلامية ولكنها لا تعثر عليها لأن المعلن يعرف ماذا يختار من بين المئات من الفضائيات، تلك الأشد ثراء والتي تتمتع بنسبة مشاهدة عالية. ولهذا لم تعد رغبة المشاهد في ماذا يشاهد ومتى يشاهد بمثابة إشكالية كبيرة بل هو تحصيل حاصل وعلى المشاهد الرضوخ للأمر الواقع والرضا بمسلسله وفيلمه المفضل مقطعا ومبعثرا تعصف به إعلانات الأطعمة السريعة والشوربة ومساحيق الغسيل والشامبو وصبغات الشعر والشوكولاتة والشاي والقهوة وزيت الطهي إلى غير ذلك من الإعلانات.

سيدخل المشاهد إجباريا في أماكن لا تعنيه، سينقله إليها الإعلان التجاري عنوة، وسيعيش مع ربات البيوت وشيف الطبخ لحظاتهم السعيدة، كما سيلعب مع الصغار ويلطخ ملابسه ليجد الحل في مسحوق الغسيل ذي القوة الإضافية. لا أحد سيسمع استغاثة المشاهد ولا شكواه وتذمره من الإعلان التجاري، فهو مقرر إجباري من الممكن أن يأتي في أي وقت من ليل أو نهار في نوم أو يقظة، فهو سيد الشاشة بلا منازع.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر