الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

قلق القرين من القرين

الإثارة والتشويق دخلا على الإيمان، فتمت صناعة نسخ جديدة مختلفة عنه، وما من أحد كان يجرؤ على الكلام، ولا على القول إن شيوخ الأكشن عبر التاريخ، ليسوا رسلا مبشرين.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/07/08، العدد: 10328، ص(24)]

جنى الجناة عبر الأجيال على وعي الملايين. وأخذ كل صاحب خيال يضيف ما تجود به مخيلته على مقدّسات الناس. حتى باتت البساطة والسماحة التي اتسم بها الدين في أصله، شبكة كلمات متقاطعة لا أول لها ولا آخر.

الإثارة والتشويق دخلا على الإيمان، فتمت صناعة نسخ جديدة مختلفة عنه، وما من أحد كان يجرؤ على الكلام، ولا على القول إن شيوخ الأكشن عبر التاريخ، ليسوا رسلا مبشرين، فانتبهوا إلى ما يقولون وأعملوا فيه عقولكم.

روى البعض من هؤلاء مرة، أن رجلا جاء إلى النبي وقال له “إنَّ الشَّيْطَان قد حالَ بَيْنِي وبيْن صلاتي وقراءَتي، يُلْبِسُهَا علَيَّ”. فزعموا أن النبي قال له “ذاكَ شيطانٌ يُقالُ لهُ خَنْزَب”.

ولا أحد يدري هل قال النبي هذا الكلام أم لم يقله، فكلّه على ذمة الناقلين. لا البخاري كاملٌ ولا مسلمٌ منزّهٌ، ولا وجود لفكرة سلالة آل البيت المقدّسين أصلا في كتاب الله. الله الذي حين طالبه إبراهيم جدّ الأنبياء جميعهم بمنح وعده العظيم لنسله قائلا “ومن ذرّيتي؟” قال حاسما “لا ينالُ عهدي الظالمين”؛ لا وراثة إذن في هذا المقام ولا توريث.

وفي العيد، قلتُ آخذ ابني إلى مسجد المدينة الألمانية ليسمع التكبيرات ويرى بنفسه. من أجل التقاليد، وكي يبقى الطفل على صلة بجذوره. وكانت المرة الأولى التي أدخل فيها هذا المكان هنا. وما أن حيّينا المسجد، حتى بدأ خنزب يهمس في أذني؛ انظرْ إلى ذلك الملتحي الذي يلبس ثوبا قصيرا، لماذا ينظر إلينا هكذا؟ وذاك الكيس في يد الرجل الذي يطوف على الجالسين، ماذا فيه؟ هل فيه قنبلة؟ هل يجمع التبرعات لتمويل العمليات الإرهابية؟ لا تدفع. ما هذه الرائحة؟ هذه ليست رائحة بخور. إنه تي إن تي. هل تعرف أن التي إن تي يحتوي على 4.18 تيراجول من الطاقة الانفجارية في كل كيلوغرام منه. أي أن هذا الكيس قد يكون وزنه ستة كيلوغرامات. وهذا يعني أن الحيّ كله سيطير في الهواء.

وتلك المرأة المنقّبة التي دخلت من باب المسجد. هل هي فعلا امرأة؟ ما يدريك أنت؟ لعلها انتحاري متنكر. أو ربما من البوليس السرّي الذي سيقتحم المكان بعد قليل، ولن يميّز بين الإرهابيين وبين البسطاء من أمثالك.

كان خنزب متوترا وقلقا. ولم تنقض تلك الدقائق العشرون التي استغرقتها صلاة العيد، إلا وكان قد أغرقني بهلوساته وتحذيراته، حتى أخذتُ أغذّ الخطى نحو الباب مع حرف الهاء في السلام عليكم ورحمة الله، آخر الصلاة.

لكن خنزب ابن ذاك الخيال ذاته. ومُنتَجٌ من صناعة تلك الذهنية التي قلّلت من قيمة الروحانية لتصبح “أيّ كلام”، دعّموها بأكثر من نصف مليون حديث موضوع ثبت كذب نسبته للنبي. وماذا لو لم يكن خنزب مخطئا في ذلك اليوم؟ ماذا لو صحّت مخاوفه؟ كيف سأقبل اعتذارات رجال الدين عن الأخطاء الفردية حينها، إن لم أكن على قيد الحياة؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر