الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

الاحد 25 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10674

إضحاك الناس أم 'دعشنتهم'

الإرهابيون ليسوا أناسا لديهم مطالب سياسية أو اجتماعية، وبداخلهم ضمائر تسيرها بوصلات أخلاقية حتى يتم تبني أفكارهم، إنهم نمط من الإرهاب العدمي والمحب للموت.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/07/08، العدد: 10328، ص(21)]

خلال شهر رمضان من كل عام يتنافس معدو برامج الكاميرا الخفية في مختلف القنوات التلفزيونية على إضحاك الناس بمقالب وحيل مختلفة، يوجد في الكثير منها الحس الفكاهي، الذي يتشابه في البعض من جوانبه مع هموم الناس ومشاغلهم، وإن تبدلت الأسماء والألقاب والوقائع والأزمنة والأمكنة.

وما أحوج الناس اليوم، خصوصا في المجتمعات العربية إلى مثل هذه الفسح للمرح التي تدخل عليهم البهجة، وترمم ما بداخلهم من دمار نفسي، تسببت فيه مصاعب الحياة ومشكلاتها التي فاضت عن الحد، وبلغت ذروتها في الزمن الراهن.

ربما لا يعرف الكثيرون شيئا عن مصطلح المرح العلاجي، وينظرون إلى الضحك على أنه سلوك عابر وتافه بلا هدف أو معنى، ولكنه في الواقع يحمل العديد من المعاني والكثير من الخبايا النفسية المرتبطة بمراكز المخ التي تتعامل معها وتستوعبها. وليست هناك أداة أبلغ من الضحك في التعبير عن مكنونات البشر، إنه عاطفة اجتماعية فياضة سبقت اللغة في تقريب الناس من بعضهم البعض، بغض النظر عما إذا كانت هنالك مواقف مضحكة جمعت ما بينهم.

وقد ثبت علميا أيضا أن مقولة “اضحك للدنيا تضحك لك” ليست بلا معنى، فعلماء النفس يؤكدون أن المرح وسيلة فعالة للتخلص من الضغط العصبي، وسلاح لمواجهة ما يتعرض له الإنسان من مواقف صعبة ومحرجة، ويساعد أيضا على تجاوز كل أنواع الألم والمعاناة.

ولكن الذي لا معنى له، هو أن تصبح برامج الكاميرا الخفية التي تدخل كل بيت، وتخاطب الكبير والصغير مختبرا لتجربة أقوال وأفعال تنظيم داعش الإرهابي.

لقد ذكرني هذا بالمقولة المأثورة لعالم النفس الشهير، سيغموند فرويد، التي قال فيها “إن روح مرحنا تعبر عن شخصياتنا”.

ولكن عمّن تعبر برامج المقالب التي يريد أصحابها أن “يضربوا ضربتهم”، بأفكار قد يكون الهدف منها إضحاك المشاهد، ولكن تأثيرها قد لا يتوقف عند حدود الإضحاك، لأنه يحاكي تصرفات الإرهابيين.

ومن المفارقات أن يكون إضحاك المشاهدين على حساب إتلاف أعصاب الغير وتدمير نفسيتهم، ولو كان ذلك للحظات تمثيلية أو تخييلية.

ومهما يكن من أمر فمثل هذه البرامج لا تخلق الدعابة، بل تثير الرعب والاشمئزاز، حتى وإن حققت أعلى نسبة مشاهدة، وأعتقد أن الناس في غنى عن هكذا فرجة فيها ألم كبير للآخرين ومحاكاة للإرهابيين.

لا شيء يبرر التحدث بلغتهم وتبني أيديولوجيتهم في برامج كانت حتى وقت قريب محببة للقلوب فأصبحت مثيرة للاستياء.

الإرهابيون ليسوا أناسا لديهم مطالب سياسية أو اجتماعية، وبداخلهم ضمائر تسيرها بوصلات أخلاقية حتى يتم تبني أفكارهم، إنهم نمط من الإرهاب العدمي والمحب للموت، ويجب أن يواجه من دون مواربة باعتماد أفكار وأساليب للإضحاك تعلم الناس حب الحياة، وتشحنهم بالعزيمة على مواجهة هذا الشر المدمر، الذي أصبح يهدد البشرية في كل مكان.

لا نريد أن تكون برامج الكاميرا الخفية نافذة جديدة تضاف إلى النوافذ الكثيرة التي يطل منها الإرهاب إما مستقطبا الشباب أو منكلا بالأبرياء، حتى وإن كان ذلك من باب الاستعارة التمثيلية، لأن النوايا الحسنة لا تضمن دائما حسن العواقب.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر