الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

عن الدبلوماسية الإسرائيلية في أفريقيا.. ولا عزاء للعرب

المفارقة أنّ إسرائيل تبرم معاهدات واتفاقات تسليح مع الدول الأفريقية مروّجة لما هو أهمّ وأخطر من السلاح، وهو تسويق نفسها كدولة محاربة للإرهاب وتثبيت صورة 'الإرهابي المتطرّف' على مجمل النضال الفلسطيني.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/07/09، العدد: 10329، ص(7)]

قد يكون العقل العربي لم يكتشف بعد الفرق البيّن بين الفضاء والجغرافيا الاستراتيجيّة، فلئن كان الأول قوامه حدود المكان ضمن رقعة أرضيّة محددة فإنّ الثانية كينونتها تأصيل الأمن القومي انطلاقا من مقدّمة أنّ الأمن الوقائي للبلدان المحترمة يبدأ من الجغرافيا المجاورة وينتهي عند الحدود السيادية.

من الواضح أنّه لا يمكننا اليوم أن نتحدّث عن أمن قومي سواء أكان عربيّا بالمعنى الشامل أو قطريا بالمعنى التفصيليّ، ذلك أنّ العمق الاستراتيجي المتشكّل أساسا في الحضن الأفريقي وفي دول الساحل المتاخمة لمنطقة شمال أفريقيا أصبح إطارا لرسم السياسات الإقليمية بل ومجال تدافع وصراع بين القوى الإقليمية الثلاث وهي تركيا وإيران وإسرائيل.

دخلت إيران وإسرائيل في حروب توسّع ناعمة في أميركا اللاتينية وأفريقيا، وسرعان ما انخرطت تركيا في السوق الأفريقية البكر حيث جال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الشهر الماضي في أوغندا وكينيا والصومال، قبل أن يؤدي رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو زيارة إلى دول منبع النيل وهي أوغندا وكينيا ورواندا وإثيوبيا.

من حقّ الأطراف الإقليمية أن تؤصل لنفسها عمقا استراتيجيا يبدأ من الاقتصاد والأمن ولا ينتهي عند معالم القوّة الناعمة من مسلسلات وأفلام وفلكلور شعبيّ، ولكن من حقّ المتابعين للشأن العربي أن يتساءلوا عن منظومة الدور العربي في حدائقه الخلفيّة التي باتت مجالا للنفوذ الأجنبي حتّى لا نقول المعادي له.

وقد يكون من السابق لأوانه الحكم على أداء الأمين العام للجامعة العربية أحمد أبوالغيط سيّما في قضايا استراتيجية متعلقّة بالشراكة الأفريقية، وعن مستقبل التعاون وآفاق تعزيز التنسيق على ضوء مستجدّات القضايا الإرهابية العاصفة بالمنطقة، ولكن بالإمكان الإقرار بأنّ استحقاق التوجّه الاستراتيجي إلى أفريقيا وبناء مقاربات شراكة مصيرية مع الاتحاد الأفريقي ومع دوله الصاعدة على غرار جنوب أفريقيا في حاجة إلى قرار استراتيجي عربي نعتبر أنّه لم ينضج بعد.

الناظر إلى الخطّ البيانيّ للدبلوماسية العربية مقارنة بالإسرائيلية يلاحظ أنّ إسرائيل باتت اليوم تتوسّع في فضاءات كانت بالأمس القريب المجال الأنسب للفاعل العربيّ سواء جماعيا أم فرديا.

لم يخطئ جمال عبدالناصر البوصلة عندما انخرط مبكّرا في الجهود التحريرية الأفريقية من ربقة الاحتلال الفرنسي والبريطاني مؤمّنا بذلك المكانة المتميّزة لمصر في قلب أفريقيا، كما لم يجانب الرئيس الجزائري هواري بومدين الصواب في إكماله ذات المسيرة.

وقد أنتجت هذه التجارب وغيرها من السياسات العربية، اجتذاب القرار الأفريقي لصالح القضايا العربية وعلى رأسها القضية الفلسطينية متوجّا بقرار طرد إسرائيل بصفتها مراقبا من المنتظم الأفريقي في 1978، وهو القرار الذي ساهم إلى حدّ كبير في عزل إسرائيل دوليا وتطويقها إقليميا وصولا إلى حدّ وصف “الحركة الصهيونية” بالحركة العنصرية في مؤتمر دربن في جنوب أفريقيا عام 2001.

اليوم، توظّف إسرائيل جيّدا حالة الانحسار والانكسار العربية وضمور الرؤية الاستراتيجية ما بعد القطريّة لدى الكثير من المسؤولين العرب وانغماسهم في الشأن المحلي. وقد لا نجانب الصواب إن قلنا إنّ غياب العرب لا قوّة إسرائيل، سمح بتوسّعها في الجغرافيا الأفريقية، وإن اعتبرنا أيضا أنّ الفاعل الإسرائيلي بدأ يحصد نتاج دبلوماسية وراثة الرجل العربي العاجز والعجوز، حيث صوتت دول أفريقية مؤخرا ضدّ قرار السماح بتفتيش المواقع النووية الإسرائيلية داخل أروقة الوكالة الدولية للطاقة الذريّة.

المفارقة أنّ إسرائيل تبرم معاهدات واتفاقات تسليح مع الدول الأفريقية مروّجة لما هو أهمّ وأخطر من السلاح، وهو تسويق نفسها كدولة محاربة للإرهاب وتثبيت صورة “الإرهابي المتطرّف” على مجمل النضال الفلسطيني على نحو قرن من الزمان.

إسرائيل تتوسّع، استيطانيا ودبلوماسيا، ففي الميدان الأوّل تلتهم الاحتلال الاستيطاني أراضي الضفة على وقع مأسسة الانقسام الفلسطيني في كلّ شيء، وليست كيفية مواجهة إسرائيل إلا واحد من هذا التباين الذي وصل إلى داخل البيت الفتحاويّ، وفي الميدان الثاني تتقّدم الدبلوماسية في ظلّ الغياب والعجز العربيين عن تأمين تصوّر مشترك في مسلكية التعامل مع الجار الأفريقي والأطراف الإقليمية الأخرى…

فلا عزاء للعرب..

كاتب من تونس

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر