الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

صحافة حرة تقتلها الإعلانات

المؤسسة الصحافية متحيّرة في صنع خطابها، فهي ترتبط بمصلحة مع صانع القرار السياسي بما يضمن لها موردا للتمويل.. وفي الوقت نفسه تنافح عن هدفها المرسوم والافتراضي في الدفاع عن الصحافة الحرة.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/07/12، العدد: 10332، ص(18)]

لا شيء يداعب خيال الصحافيين كما القراء أكثر من عبارة “صحافة حرة”. الكل ينشد سلوك الطائر الحر المتمرد غير القابل للتدجين، ولهذا صار المصطلح برسم الجميع. حتى أشد الدكتاتوريات بطشا وتكميما للأفواه كانت تتشدق بأنها توفر فضاء مفتوحا لحرية الصحافة حتى إذا أجهز أحد أقلام السلطة على أحد الخصوم في الداخل أو الخارج، قيل إنه صحافي حر ونحن في بيئة صحافية حرة.

وهكذا بقي المصطلح أسير التجاذبات، الصحافة الحرة التي تبناها النظام الكولونيالي وصارت من علاماته الفارقة فيما تحولت المؤسسة الصحافية ذاتها إلى إمبراطورية إعلامية متمددة إلى كل الجهات في شكل شركة عابرة للقارات وحتى يمكن الاكتتاب عليها في سوق البورصة هذا إذا أضفنا تلك المداخيل الضخمة من الحملات الدعائية والبرامج مدفوعة الثمن.

فإذا كانت تلك “الصحافة العولمية” لم تمر بمعاناة استدامة التمويل، فإنها في الوقت نفسه منحت لنفسها كامل الحرية في رفع راية الصحافة الحرة التي لا يعترض عليها أحد.

لكن في المقابل هناك العديد من الصحف والمؤسسات الصحافية تؤمن بذات المبدأ وهو مبدأ الصحافة الحرة أيضا، مع أن أجواء عملها وإمكانياتها تبدو مختلفة تماما عن تلك المؤسسات الضخمة التي تطرح نفسها مدرسة في الصحافة الحرة، حيث امتلكت المال الكافي لتوظيف الكوادر وفي الوقت نفسه لم تعزها الحيلة عن إثبات أنها عنوان الصحافة الحرة. في واقع الأمر ثمة فجوة واضحة في ما يتعلق بالمصطلح ومحتواه، فالتناغم مع مؤسسات صنع القرار السياسي لا يمكن إنكاره في مسار العديد من تلك المؤسسات الإعلامية، ومهما تم الإيحاء بأن المحرر حر في ما يكتب، إلا أننا سنتلمس ذلك الخط من الانحيازات التي يفرضها صانع القرار السياسي وهو أمر لا يمكن للصحيفة إنكاره بقدر الدفاع المستميت عن الحرية الصحافية.

ما بين التحديين تقف المؤسسة الصحافية متحيّرة في صنع خطابها، فهي ترتبط بمصلحة مع صانع القرار السياسي بما يضمن لها موردا للتمويل وبالتالي البقاء على قيد الحياة وفي الوقت نفسه تنافح عن هدفها المرسوم والافتراضي في الدفاع عن الصحافة الحرة والتعبير عنها والترويج.. إنها مستقلة تماما عن أي مؤثرات خارجية.

تنتج الصحيفة ما يشبه إعلانات مدفوعة الثمن في شكل دفاع عن خطاب سياسي بعينه وتبنّيه وترويجه، وذلك لزوم ما يلزم، ثم تأتيها إعلانات من هنا وهناك تضمن لها دخلا لا بأس به، هنا ستكون تلك الحرية والاستقلالية على المحك، أمّا الصحف الأخرى فإن مسألة انتظار الغيث الإعلاني بالنسبة إليها هو هاجس يومي، فهذه الإعلانات هي التي تستطيع منح نسغ الحياة للصحيفة، وساعتها وفي تلك البرهة الفارقة والحرجة سوف تتخلى الصحيفة عن أقدس ما تؤمن به ألا وهو الحرية والاستقلالية والركون إلى حقيقة أن الغاية تبرر الوسيلة وأن اللهـاث وراء الإعـلانات هو مسألة بقاء على قيد الحياة، وبذلك صارت هناك صحف تموت بسبب شح التمويل والإعلان التجاري وصحف أخرى يقتل الإعلان فيها صفات الحرية والاستقلالية عندما يصبح الإعلان ترويجا لخطـاب سياسي عليه مـا عليه مـن إشكـاليات وجدل.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر