الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

متعة آخر العمر

لا مهرب من القبول بعدم وجود علاقات زوجية مثالية على وجه الأرض لأن القصص الخيالية المتناقلة في كل مجتمع عن الحب والغرام عارية من الصحة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/07/15، العدد: 10335، ص(21)]

أغلب الأزواج يقضون أكثر من نصف أعمارهم منكبين على مكاتبهم، ولا شغل لهم غير وظائفهم، وهذا من شأنه أن يفوت عليهم فرصة الاستمتاع بالأوقات العائلية المشتركة، التي من شأنها أن تضفي على حياتهم قدرا أكبر من المتعة والسعادة، التي لا يستطيعون جنيها من العمل فقط، حتى وإن تعاظمت مكاسبه المادية، لأن الماضي المهني الناجح لن يحتفظ ببريقه حتى نهاية العمر.

ومن اختار التضحية بالشريك والأسرة في سبيل صفقة قد تبدو رابحة وهو في ريعان الشباب، فإنه لن يتمكن مهما فعل من جني الأرباح طيلة عمره، لأنه بكل بساطة لا يستطيع إيقاف ساعته البيولوجية في زمن معين، وسيفلت الشباب منه فجأة، وفي النهاية سيجد نفسه في عداد المسنين، حينها ستمنعه قلة حيلته من إعادة بناء حياته الأسرية التي هدمها حبه المفرط للعمل، وسيتمنى وقتها أن يدفع كل ما اكتسبته يداه مقابل درء الشعور المدمر بالوحدة.

لكن للأسف معظم الخسائر تأتي على نحو مفاجئ، وفي أغلب الحالات لن يكون هناك ما يمكن فعله لامتصاص الصدمات النفسية التي تخلفها العزلة الاجتماعية.

أما من يحالفهم الحظ وتستمرعلاقاتهم الزوجية حتى سن التقاعد، فقد يكتشفون أنهم غرباء عن شركائهم، لأنهم لم يشاركوهم حياتهم بشكل فعلي في الماضي.

وفي الغالب تكون النساء أكثر من يعاني من أعراض تقاعد الزوج، وخاصة في المجتمعات العربية، لأن لكل من الزوج والزوجة حياة منفصلة عن الآخر، تدور حول العمل بالنسبة إلى الرجل، وإدارة شؤون المنزل بالنسبة إلى المرأة.

ومع مرور السنوات يتغير هذا الوضع عندما يتقاعد الزوج، فتجد الزوجة نفسها مضطرة للقبول بتدخل زوجها في كل صغيرة وكبيرة، بشكل لم يحدث منذ سنوات طويلة، فتنقلب حياتها رأسا على عقب، وتكون النتيجة أن الكثيرات لا يسعدهن الوضع الجديد ولا يشعرن معه بالراحة، فيكون الانفصال النتيجة الحتمية.

ولذلك فإنه من الأفضل لأي شخص أن تكون له علاقات وثيقة بأفراد عائلته، وخاصة بشريك الحياة الذي يمثل أهم سند له في الحياة.

ولكن للأسف التقرب من شركاء الحياة من خلال مشاركتهم اهتماماتهم، بدلا من إثارة المشاكل معهم، يمثل آخر ما يتبادر إلى أذهان البعض، وأكثر ما هو سائد اليوم هو التشابك في الأهداف الشخصية والعملية على حد سواء، وعدم القدرة على النظر إلى الأبعاد الأهم في العلاقة الزوجية.

وما أكثر الذين يمضون مع بعضهم البعض في مركبة الزواج من دون أن تجمعهم أهداف مشتركة، لقد تحول انغماسهم في العمل إلى نمط حياة يومي، سيطر عليهم بدلا من أن يسيطروا عليه، وزادت مجاراتهم للزمن المادي، الذي أصبحت عجلاته تدور بسرعة فائقة. وكل هذا جعلهم لا يعرفون لا كبيرة ولا صغيرة عن شركائهم، والبعض منهم لم تعد تجمعهم سوى جدران المنزل في الأعياد والمناسبات، وحتى هذه الاعتبارات فقدت أهميتها بالنسبة إلى الكثيرين.

ولذلك فإنه بعد سنوات قليلة من عمر الزواج ينتاب العديد من الأزواج نفس الإحساس المرير، وهو أن أمورا كثيرة في حياتهم الزوجية لا تسير على ما يرام، وينتقلون تدريجيا من التحابب والانسجام إلى عدم القدرة على العيش معا تحت سقف واحد. وفي أحيان كثيرة يكون الطلاق لأسباب معلومة، يدركها الزوجان ولكنهما لا يحاولان تجاوزها، وهي الحرص على تخصيص وقت لهما معا بعيدا عن أجواء العمل، من أجل أن تستمر العلاقة الزوجية صحية وسليمة.

ولعل أثمن النصائح التي يقدمها الخبراء في هذا المجال تنوه بضرورة ترك أمور العمل في العمل، ومحاولة خلق لحظات آسرة في العلاقة الزوجية حتى لا تصاب بالفتور، وتصل إلى طريق مسدودة.

لا مهرب أيضا من القبول بعدم وجود علاقات زوجية مثالية على وجه الأرض، لأن القصص الخيالية المتناقلة في كل مجتمع عن الحب والغرام عارية من الصحة، وبالتالي فأسطورة أنه بالإمكان البقاء في علاقة زوجية لا تشوبها شائبة ولا يعتريها تغيير من سابع المستحيلات.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر