الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الحركة المستحيلة

لكل صارت لديه وسائل تواصل تمكنه من القراءة، وفي ظل هذا البث التبشيري المباشر، تحدث أمورٌ أخرى. فبعد أن كانت الجودة هي المطلب الأول لجميع المنتجين، صارت الرداءة والسطحية بضاعة مطلوبة.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/07/15، العدد: 10335، ص(24)]

المحتوى المعلوماتي الذي كان يصل إلى أيدي الناس، تدرّج من الرديء جدا إلى الرديء، صعودا نحو الأعلى. لكن الأمور تغيرت الآن، لأن العالم يتغيّر. وتغيّره هذا، لم يعد مقتصرا على انهيار بنى إنتاج فكرية عاشت وسادت على مدى السنين، ادّعت احتكارها للروحانية والعلوم والتربية، فهناك من يقف أيضا ضد هذا التغيير، ويظن أنه قائم على مؤامرة من هذه الجهة أو تلك، والواقع يؤكد أن المعرفة المتفجرة هي المتآمر الأكبر على الجميع.

تابعوا معي “يقع مركز الثقل فيكَ بالقرب من مركز ثقل جسدك. ويجب أن يكون الخط الرأسي المارّ منه إلى الأرض، داخل المنطقة المحصورة بين القدمين. وإلا فإن الإنسان يقع ويختل توازنه. يمكنك اختبار ذلك بالوقوف وإحدى ذراعيك وجانب إحدى قدميك مسنودان بقوة إلى الحائط. وإذا حاولت الآن رفع ساقك الأخرى بعيدا عنك، فإنك لا تستطيع أبدا فعل ذلك دون أن تقع على الأرض. وهذا ما يسمى بالحركة المستحيلة”.

هذا مثال على محتوى يقدَّم يوميا للقارئ، الذي أصبح اليوم؛ جميع الناس. باعتبار أن الكل صارت لديه وسائل تواصل تمكنه من القراءة. وفي ظل هذا البث التبشيري المباشر، تحدث أمورٌ أخرى. فبعد أن كانت الجودة هي المطلب الأول لجميع المنتجين، صارت الرداءة والسطحية بضاعة مطلوبة أيضا في الحرب المضادة على المعرفة.

هذا عن المنتج. أما عن المستهلِك لتلك الرداءة، فمشكلتنا معه، هي أنه يوافق عليها. بل ويستمتع بها ويتغنى بها. كما كان يتلذذ بالجودة بالضبط. وهذا يعني أنه لا يمتلك مهارة التمييز بين هذا الزرع وذاك. فالحملان تقضم الحشيش الأخضر، مهما كان نوعه، وأيا كانت المياه التي سَقَتْهُ.

لكن العظيم في المعرفة الجديدة، أنها تتيح استعمال القديم من الثقافة الشعبية أيضا. عنيتُ الوسائل البسيطة لتحريك الوعي والمشاعر. ويروي الرواة عن “آل فستق”، العائلة التي عاشت قبل ثمانية قرون وامتلكت مزارع للفستق الحلبي في جبرين قرب حلب، وذكرها صبري الطباخ في كتابه “أعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء”. وكذلك الأب يوسف قوشاقجي، وكيف كانت قد اكتشفت طرقا تحريضية إيجابية مبكرة للتواصل. فقد كان الوالد فستق باشا يستيقظ صباحا، ويبدأ بالتعبير عن إعجابه بالسيدة فستق، وبعينيها وشعرها ويديها وملابسها وطريقتها في الكلام؛ “يا الله ما أجملك يا سيدة فستق”. لترد عليه هي بالمثل؛ “يا إلهي ما أهيب مشيتك ووقفتك فستق باشا”، ثم يبدأ دور الأولاد الذين يتبادلون الإعجاب بمستوى بعضهم البعض في المأكل والملبس والمنطق. وإن كان لديهم هم وغم، كانوا يقولون “أنا متعاطف معك يا سيدة فستق”، “قلبي معك فستق باشا”. وفي اليوم التالي يفعلون الأمر ذاته، ما يرفع معنوياتهم ويجعلهم يتفرغون لاكتشاف الحياة.

لكن أهل النكد في المجتمعات، لم يرق لهم دأبُ “بيت فستق”، فاتخذوا سيرتهم مثلا للسخرية، ورأوا أن الصواب هو أن نتراشق بالأفكار الرديئة. وإقناع الإنسان بأن حركته مستحيلة ولن يقدر عليها في يوم من الأيام.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر