الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

إطراء أم تحرش: حسن النية يحول الجاني إلى ضحية

  • التضارب بين الضوابط الاجتماعية والنظم القانونية يجعل أغلب الاعتداءات الجنسية ضد المرأة مبررة، فيما يرى بعض الخبراء أن التصدي الفعال لها يتطلب تغييرا في نظرة الرجال والنساء إلى مفهوم التحرش الجنسي.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/07/19، العدد: 10339، ص(21)]

هل تحرش بها فعلا!

يجد الكثير من الرجال أنفسهم خلف القضبان بتهمة التحرش بالنساء، على الرغم من أن نوايا بعضهم تندرج في إطار المجاملة لا أكثر، ولم يخطر على بالهم أن تصرفهم سينظر إليه من قبل النساء على أنه سلوك غير أخلاقي أو اعتداء جنسي، ويصنفه القانون على أنه جريمة تستحق العقاب.

ويمثل الإطراء حسب البعض من أبحاث علماء النفس من أحب الأشياء إلى قلب المرأة، فهو من يلعب دورا كبيرا في تحسين مزاجها ونيل رضاها، ولكنه أثار في نفس الوقت جدلا واسعا في المجتمعين الأميركي والبريطاني حول الحد الفاصل بينه وبين التحرش الجنسي.

وعلى الرغم من وجود بعض الضوابط الاجتماعية التي فرضتها النظم الأخلاقية والدينية للفصل بين الأمرين، إلا أنها اعتبرت في نظر الكثيرين قواعد مبهمة وغير واضحة. وحتى في ظل وجود عدم اعتراض أو مقاومة من قبل المرأة، فهذا لا يعني بالضرورة من وجهة نظر خبراء القانون نفيا قطعيا لحادثة التحرش، نظرا لأن أغلب الانتهاكات ضد المرأة خاصة في المجتمعات العربية مازالت تحاط بالسرية والكتمان.

وفي الوقت الذي يصف القانون البريطاني التحرش الجنسي بأنه “سلوك ذو طبيعة جنسية غير مرغوب فيه، يهدف إلى إيجاد بيئة عدائية مهينة ومسيئة تنطوي على خوف”، بغض النظر عن النوايا الحقيقية لمرتكبيه، فإن بعض علماء الاجتماع يرون أنه لا ينبغي للأفراد أن يعتمدوا على تأويلات القانون فحسب في التصرفات التي يقومون بها في المجتمع.

وفي هذا الصدد قالت كاثرين حكيم عالمة الاجتماع البريطانية والمهتمة بقضايا المرأة، إن “القواعد المفروضة في ما يتعلق بالتحرش الجنسي غير فعالة ولا تحمل أي جدوى”، مضيفة أن “القانون يعتبر أوليا لكي تجرى الاستفادة منه في تنظيم التفاعل الاجتماعي داخل أي مجتمع”.

17 وزيرة سابقة في فرنسا يوقعن عريضة تحث الحكومة على حماية النساء من التحرش

وأوضحت أن “أفراد المجتمع في بعض الثقافات، ومن بينها المجتمع البريطاني، يفرطون في مسألة التحفظ والنظر تجاه مسألة التحرش بشكل عام”، وتقول إن “ما ينظر إليه في القارة الأوروبية على أنه مجاملة أو إغراء اعتيادي، يُنظَر إليه في شمال أوروبا على أنه تحرش جنسي”. فيما أيّد فرانك فروريدي الباحث في علم الاجتماع، الفكرة القائلة إنه على الأفراد أن يثقوا في حكمهم على التصرفات التي يواجهونها بدلا من أن يعتمدوا على التأويلات التي يضعها القانون.

وأضاف “إذا ما أصبحت هذه القوانين هي الأساس الذي يمكننا من خلاله أن نميز الصحيح من الخطأ، فإننا سنفقد قدرة المجتمع ونضجه في التعامل مع المشكلات التي عادة ما تكون معقدة”.

وأشارت الأبحاث النفسية الحديثة التي أجريت في هذا الصدد إلى أن الإطراء من الغرباء له نفس الأثر الذي يحدثه المال من حيث تنشيط مركز المكافأة في المخ حيث يشبع المديح للأشخاص “الحاجة إلى الإنتماء”. إلا أن الباحثة إيما غرين، من جامعة كالغاري الأميركية، ترى أن المجاملات التي تبقى خالدة في أذهان النساء وذاكرتهن، هي التي تخاطب عقولهن وقلوبهن، وليس الإطراء الذي غرضه التغزل بجمالهن الخِلقي ومفاتنهن ومظهرهن الخارجي.

وتعتقد غرين أن اختصار النساء في صورة الأجزاء الجنسية يرسخ النظرة الاجتماعية لجسد المرأة على أنه شيء، ويجب الحكم عليه وتقييمه، والتعاطي مع المرأة على أنها صورة جنسية فقط، وذلك له تأثير كبير على صحتها النفسية وعلى نظامها الغذائي، وقد يجعلها أقل ثقة بنفسها، ويخلق لديها اضطرابات غذائية ونفسية بالجملة، ولذلك على الأشخاص أن يحددوا مضمون كلماتهم قبل التفوه بها.

وعن الأثر السلبي لمديح المظهر الخارجي، بينت أن مزاج النساء يتحسن بالفعل بعد سماعهن لكلمات الإطراء على جمالهن، لكن هذا التحسن آنـي وقد يعقبه شعور بعدم الارتياح، ويجعلها أكثر تركيزا على الشكل الذي تظهر به في عيون الآخرين، كـما يشجعها على التعامل مع نفسها كسلعـة.

اختصار النساء في صورة الأجزاء الجنسية يرسخ النظرة الاجتماعية لجسد المرأة على أنه شيء، ويجب الحكم عليه وتقييمه

وفي حديثها عن الجانب الإيجابي للإطراء على المظهر الخارجي تقول الباحثة إنه يؤثر إيجابيا على المزاج، إلا أن هناك نوعا آخر من الإطراء الذي يحمل تأثيرا إيجابيا دائما على تقدير المرأة لنفسها وعلى مزاجها، وهو مديح التصرفات والأفعال: إذا ما قيل لها مثلا إنها “مستمعة جيدة” أو إنها “قامت بعمل رائع اليوم”، أو توصف بأنها “قوية وذكية” بدلا من القول لها “كم أنت جميلة”.

كما نبه بعض الخبراء أيضا إلى أن مضمون الإطراء يمكن أن يحتوي على ألفاظ جنسية، وهي أكثر أشكال التحرش شيوعا، ويصعب إثباتها قانونيا، خاصة إذا ما انعدم الشهود الذين يؤيدون الضحية، مما يجعل الجناة يفلتون في الغالب من العقاب. ويتنوع التحرش اللفظي المسكوت عنه خاصة في أماكن العمل، بين المغازلات المغرضة والكلمات ذات المدلولات الجنسية والمكالمات الهاتفية والرسائل الإلكترونية، وغالبا ما يتطور إلى أشكال أكثر خطورة من المتوقع.

وكشفت وكالة رويترز العالمية من خلال دراسة عن التحرش الجنسي أجرتها عام 2012 في 24 بلدا، أن السعودية تحتل المرتبة الثالثة عالميا في قضايا التحرش داخل العمل، إذ وصلت نسبة النساء اللاتي صرحن بأنهن تعرضن للتحرش من قبل العاملين معهم ورؤسائهن من الرجال إلى 16 بالمئة مقابل 3 بالمئة في ألمانيا و6 بالمئة في أسبانيا و3 بالمئة فقط في السويد.

ووقعت مؤخرا 17 وزيرة سابقة في فرنسا عريضة بهدف حث الحكومة على اتخاذ إجراءات صارمة لحماية النساء من التحرش الجنسي. وقالت الوزيرات إنهن ذوات توجهات سياسية مختلفة لكنهن متحدات في إصرارهن على مواجهة “قانون الصمت” الذي يحكم حالات التحرش، خاصة في الحقل السياسي. وقالت الوزيرات إنهن جميعا اضطررن للتعايش مع ملاحظات جنسية مهينة، وإن ما لا يقل عن واحدة من كل خمس نساء في المجتمع تعرضت لشكل من أشكال التحرش الجنسي.

وحثت الوزيرات النساء اللواتي يتعرضن للتحرش على رفع أصواتهن، ودعون إلى جعل القوانين أكثر صرامة في تعاملها مع حالات التحرش لتشجيع عدد أكبر من النساء على اللجوء إلى المحاكم، غير أن التصدي الفعال لهذه الظاهرة يتطلب أيضا تغييرا في نظرة الرجال والنساء لمفهوم التحرش الجنسي، ليشمل كل أشكال الانتهاك البدني أو اللفظي.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر