الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الرأي العام يشوش عليه مواطنون صحافيون

واقعيا لم يعد بالإمكان السيطرة على جموح هذا النوع من الوسائط الاتصالية وهي تتغلغل عميقا في المجتمع ويتحول مستخدمون عاديون للهواتف النقالة إلى مواطنين صحافيين من دون أن يشعروا.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/07/19، العدد: 10339، ص(18)]

لا تكاد حادثة تقع إلا ورافقتها روايتان، هما الرواية الرسمية ورواية شهود العيان، قد تتطابق الروايتان وقد تتناقضان.

لكن ما ضاعف كثيرا من فرصة انتشار روايات شهود العيان في وقتنا الراهن هي وسائل التواصل الاجتماعي.

وتشكـل مقاطع الفيديو الملتقطة بواسطة عدسات الهواتف النقالة غالبا علامة فارقة في العمل الإعلامي اليوم، أدلة دامغة على المجريات؛ مجرّد لقطات مشوشة قادرة على قلب الروايات الرسمية رأسا على عقب إلى درجة اتهام هذا النوع من الرسائل بأنه يحرف الأنظار ويشوش على الرأي العام.

مقاطع الفيديو صارت أيضا أداة لتعبئة وشحن الشرائح الاجتماعية الواسعة، صارت بديلا عن البيانات والخطب الرنانة، الميديا التي احتضنت مقاطع الفيديو قدمت شكلا تفاعليا من خلال دور جديد لما يمكن تسميته بالمواطن الصحافي القادر على قلب الأحداث وتعميق المصداقية، وليس التشويش على الرأي العام كما يزعم أعداء الحقيقة المباشرة.

في الحروب الطاحنة التي تضرب العالم العربي سواء في سوريا أو العراق أو اليمن أو ليبيا لعبت تلك المقاطع الفيديوية أدوارا مهمة في تغطية المعارك والصراعات

الأمر نفسه انتقل إلى الساحة الأميركية؛ مواجهات الأشهر الماضية بين السود ورجال الشرطة أظهرت مستوى الاستقطاب والعنصرية غير المسبوقة التي ضربت وسائل الإعلام، حقيقة أن نصف الأميركان البيض لا يكنّون الودّ لمواطنيهم السود، وصولا إلى نسبة معتبرة منهم تكنّ مشاعر عنصرية، الإعلام في صفّ الشرطة التي تطبق القانون ضد من يخرقه، اتهامات بانغماس السود في الجريمة، لكن ما لم يكن في الحسبان خاصة خلال أحداث هذا الشهر هو تسرب مقاطع الفيديو التي أظهرت عملية إعدام متعمدة مارستها الشرطة الأميركية بحق عدد من السود، وهي ليست مضطرة لارتكاب ذلك، لقد تسرّبت الصور في وسائل التواصل الاجتماعي وسرت سريان النار في الهشيم وصارت أبلغ رد على من يدّعي سلمية رجال الشرطة في تعاطيهم مع تلك الأحداث.

حتى الرئيس الأميركي وجد نفسه في زاوية حرجة، لم يستطع التغطية على جرائم الشرطة حيث قال “إن تسجيلات الفيديو زادت من إدراك الناس لأبعاد هذه القضايا”.

كل الأعذار التي ساقها مسؤولو الشرطة في مؤتمراتهم الصحافية لم تصمد أمام مقاطع الفيديو التي أصابت الرأي العام بالصدمة لا سيما وهي تدخل إلى كل بيت، وتعرض أمام أنظار كل أميركي، بفضل وسائل التواصل الاجتماعي.

واقعيا لم يعد بالإمكان السيطرة على جموح هذا النوع من الوسائط الاتصالية وهي تتغلغل عميقا في المجتمع ويتحول مستخدمون عاديون للهواتف النقالة إلى مواطنين صحافيين من دون أن يشعروا، بل إنهم صاروا يقدمون رسائل صحافية خطيرة محملة بالأدلة الدامغة والقرائن.

فئات المهمشين صارت هذه الوسائط صوتا لهم والقصة ليست جديدة إذ تعود أولى مقاطع الفيديو التي وثقت انحرافات الشرطة أثناء أداء واجباتها، بل وعنصريتها في التعامل مع السود حتى عام 1991، عندما تم توثيق الاعتداء على رودني كينغ، سائق سيارة الأجرة الذي كان يتعرض إلى ضرب مبرّح من طرف رجال الشرطة، وقد ترتب على ذلك انطلاق تظاهرات حاشدة في مدينة لوس أنجلس الأميركية، ومذ ذاك صار دور المواطن الصحافي وأداته الفاعلة مقاطع الفيديو دورا لا يمكن تجاوزه أو التغاضي عنه.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر