الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

الثلاثاء 28 مارس/اذار 2017، العدد: 10585

بداية انقلاب ناعم

من واجب الذين رفضوا الانقلاب في تركيا أن يرفضوا الانقلاب الحمساوي على المؤسسات الشرعية والوطنية في غزة والمستمر منذ 2007.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/07/20، العدد: 10340، ص(9)]

من الواضح أنّ التمرد العسكري الذي فشل في الإطاحة بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان لم يكن انقلابا بالمعنى المعروف والمعهود لمفهوم الانقلاب، حيث القدرة على المسك بزمام الأمور، مدنيا وسياسيا وعسكريا وإعلاميا، والقبض على كبار رؤوس الدولة.

لذا ففشل الانقلاب كامن في أنه ليس انقلابا وإنما هو تمرّد عسكري لبعض الوحدات في الجيش التركي من الصفّ الثالث والرابع سرعان ما انكفأت قوّتها بمجرّد دعوة أردوغان أنصاره إلى النزول إلى الشارع.

الحقيقة التي لا بدّ من الوقوف عندها أنّ “انقلابا ناعما” يحصل حاليا في تركيا عنوانه “تطهير” الجيش وقطاع القضاء والأمن والمخابرات والإعلام من “الفيروسات” المعارضة للسلطة وفق تعبير أردوغان.

ولئن اعتبرنا أن البعض منهم قد تورّط في التمرّد العسكري الفاشل، فإن عقابا جماعيا يعمد إليه أردوغان لتصفية كافة خصومه من المجتمع المدنيّ والمؤسسة العسكرية والأمنيّة موظّفا حالة الاحتقان الموجودة في تركيا ضدّ مقترفي هذا الخطأ الاستراتيجي.

ولم يجانب وزير الخارجية الفرنسي جون مارك إيرولت الصواب حين حذّر أردوغان من مغبة التعامل مع الانقلاب الفاشل على اعتباره شيكا على بياض للتطهير السياسي والاستئصال الأيديولوجي ضدّ أعدائه.

ذلك أنّ الرئيس التركي أقصى قيادات عسكريّة مهمة جلّها لم تكن لها علاقة بالتمرّد، واعتقل نحو 6 آلاف شخص من غير الواضح مدى علاقتهم بالزلزال التركي، كما أنه أطلق يد أنصاره للتنكيل وتعذيب وسفك دم بعض العناصر العسكريّة المنقلبة في مشهد يؤشر على غلبة غريزة التشفي والانتقام الفرديّة والأيديولوجية على كلمة القضاء، وعلى إرهاصات العمل الميليشوي في بلد علوية المؤسسات العمومية وعلى رأسها الجيش.

مقدمات تؤكد أن أردوغان لم يستوعب دروس الزلزال التركي وأهمها أنّ اللعب بالأمن القومي من خلال التحالف البارد مع الأفاعي الداعشيّة والرقص مع ذئاب المنطقة من جماعات تكفيرية لضرب استقرار منطقة الشرق الأوسط، سيكون له ارتدادات خطيرة في مستوى تعريض البلاد للتفجيرات الانتحارية وللهجمات المسلحة.

المفارقة أن ذات الرئيس الذي التجأ لشبكات التواصل الاجتماعي من فيسبوك وتويتر لحشد أنصاره للتظاهر والذي استفاد من الإعلام الخاص لتوجيه رسالة إلى الشعب التركي والعالم، والذي اتكأ على البيانات السياسية للأحزاب المعارضة التركية الراديكالية (حزب الشعب والأحزاب الكردية وأقصى اليسار) هو نفسه الذي أغلق شبكات التواصل الاجتماعي معتبرا إياها مجالا للكذب والدجل، وهو الذي ضيّق على الإعلام وزج بالعشرات من الصحافيين في السجون ولاحق المؤسسات الإعلامية الحرة والمستقلة، وهو الذي وصف حزب الشعب الجمهوري بالحزب العميل والتابع لدول إقليميّة عربية.

وهي نفس المفارقة التي وقع فيها الكثير من أنصار أردوغان في العالم العربي الذين احتفلوا بسقوط الانقلاب، ولهم كامل الحق في الدفاع عن رؤيتهم الإقليمية وعن تمثلهم لأردوغان، كما أنّه من واجب كل عربي عقلاني أن يدافع عن المؤسسات الشرعية بعيدا عن الانقلابات العسكرية التي حولت الرؤساء التعساء إلى زعماء ورموز، دون أن تبني ديمقراطية أو تؤصل لأمن قومي أو تكرّس التنمية والاستقرار، والنماذج هنا كثيرة.

غير أنه من واجب الذين رفضوا الانقلاب في تركيا أن يرفضوا الانقلاب الحمساوي على المؤسسات الشرعية والوطنية في غزة والمستمر منذ 2007.

ومن واجب المندد بمحاولة الانقلاب في تركيا أن يرفض الانقلاب الإخواني في ليبيا على صناديق الاقتراع وعلى المؤسسة التشريعية ممثلة في البرلمان، والتي لا تزال إلى اليوم تعاني من رفض المؤتمر الوطني الاعتراف بنتائج الانتخابات الحرّة والنزيهة.

وعلى الرافضين للانقلابات العسكرية ونحن منهم أن يعبّروا عن رفضهم لرفض الرئيس السوداني عمر حسن البشير للتمرد العسكري في تركيا، مذكرين إياه أنّه جاء بانقلاب عسكري وبمباركة التيارات الإسلامية الإخوانية التي باتت اليوم عدوّة للانقلاب.

وعلى نفس المنددين بالانقلابات أن ينددوا بانقلاب أردوغان على عبدالله غول وأحمد داوود أوغلو وعلى زعيمه نجم الدين أربكان وعلى قائده الروحي فتح الله غولن…

ندرك أنّ البعض من أنصار أردوغان لن يجرؤوا على ما طلبنا، ذلك أنّ المصالح السياسية كثيرة والتقاطعات الإقليمية أكثر.

الفرق بين البعض من إخوان أردوغان والكثير من الديمقراطيين العرب أنّ الأوائل يقبلون بالانقلاب إلا إذا جاء ضد الإخوان، والآخرون يرفضونه وإن كان ضدّ الإخوان.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر