الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

خطبة الجمعة.. منشور حكومي

توحيد الخطبة بدافع إحكام السيطرة الأمنية يحول الخطباء إلى آلات لقراءة بيان واحد، يفقدهم مهارات التفاعل مع المصلين، وينزع عن الخطب نعمة التنوع الملائم لكل مجتمع.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/07/20، العدد: 10340، ص(9)]

ظل الإمام يقرأ خطبة الجمعة من الأوراق، غير مبال بردود فعل يفترض أنه يراها من فوق المنبر، وتلخصها حالة متكررة من النعاس العام، وما يترتب عليه أحيانا من خروج أصوات غير مستحبة، والغفوة تنقض الوضوء، ويوم الجمعة ليس عطلة في القرى، ولا يملك من يشقى في الغيط رفاهية التمتع بوقت للفراغ، ثم إنه لا يجد في خطبة الجمعة ما يصرفه عن نعاس يستسلم له ولا يجتهد في مقاومته، لأن الخطاب معاد والكثير من هذا الكلام لا يعنيه، فلا يفهم مثلا علة النهي عن ارتداء جلباب طويل يبلغ الكعبين، ويسمع أن ذلك نوع من الكِبر. وهو لا يفكر في أن يلبس خاتما من الذهب، أو أن يرتدي ثوبا من حرير، لكي يعنفه الإمام مشددا على أن الحرير والذهب حرام على الرجال. وما إن ينتهي الإمام من القراءة الرتيبة، ويبدأ بارتجال الدعاء، بإيقاع أسرع، حتى يفيق النيام تلقائيا، نافضين التعب، ويرددون “آمين”.

كانت خطبة الجمعة، في العادة، مجرد صفحات من كتيبات أصدرتها دور نشر مجهولة، لا تحمل تاريخ النشر، ولا رقم الإيداع بدار الكتب، وفيها تلخيص لبعض أبواب في كتب أشهرها “فقه السنة” للسيد سابق، ولا تخضع الكتيبات المستنسخة للمراجعة؛ لأن هذا الكتاب استقر في الذاكرة البصرية بمجلداته في مكتبات المساجد، واحتل مكانة بارزة تقارب منزلة “التلمود” المفسر للنص المنزّل. وحين ينقل عنه الإمام، على سبيل المثال، تعريف الجزية بأنها “مبلغ من المال يوضع على من دخل في ذمة المسلمين وعهدهم من أهل الكتاب”، فلن يناقشه المصلون، ولو كانوا آباء لهم أبناء “مهاجرون إلى دنيا يصيبونها” في دول أجنبية أصبحت بعد أحقاب من الاستعمار لبلادنا تتمتع بفائض من التسامح الإنساني، ولا تزر أجيالها الجديدة وزر أسلافها.

تحتفظ الخطبة، المنقولة من خطاب فقهي تقليدي، بمفردات منافية للذوق العام أحيانا، إذ تثير ضيق مواطنين مصريين أسقطت عنهم الجزية قبل 150 عاما، بانخراطهم في الجيش، وتعرضهم في الحروب لرصاص لا يفرق بين مسلم ومسيحي، فكيف يردد البعض قول السيد سابق إن الإسلام فرض الجزية “على الذميين… أوجب الله الجزية للمسلمين نظير قيامهم بالدفاع عن الذميين وحمايتهم في البلاد الإسلامية التي يقيمون فيها. ولهذا تجب، بعد دفعها، حمايتهم والمحافظة عليهم، ودفع من قصدهم بالأذى”. وهو خطاب يحتمل تحقيرا استعلائيا يرى في غير المسلمين مجرد أشياء، أو “مقيمين” لا مواطنين.

وتعاد طباعة “فقه السنة” من دون تعليق أو تحقيق، لشرح تاريخية اجتهادات بشرية تتناسل نصوصا تحافظ على المتن، مع إضافة هوامش تتضمن تفاصيل فرعية عن حكم أخذ الجزية من غير أهل الكتاب، إذ يسجل السيد سابق أن مالك والأوزاعي وفقهاء الشام يرون أنها تؤخذ “من كل الأمم؛ سواء أكانوا كتابيين أم مجوسا أم غيرهم، وسواء أكانوا عربا أم عجما”، والرأي السابق أقره الشافعي، وقال إن الجزية “لا تُقبل من عبدة الأوثان على الإطلاق. وقال أبوحنيفة رضي الله عنه: لا يقبل من العرب إلا الإسلام أو السيف”.

نقص الفقه بالفقه المتوارث لم يستفز أحدا، بمن فيهم حملة الدرجات العلمية من نجوم الفضائيات، وقد كتبت في “العرب” في 12 يناير الماضي عن دهشتي لقول أستاذة الفقه المقارن بجامعة الأزهر سعاد صالح في برنامج تلفزيوني إن أسرى الحرب من النساء ملك يمين “مشروع”، للجيش أو قائده، “لكي يذلهن. يستمتع بهن كما يستمتع بزوجاته.. الآيات القرآنية مازالت موجودة ليس للتفعيل ولكن للتنفيذ إذا حصلت شروط الإسلام في هؤلاء”، في حالة النصر على إسرائيل مثلا. انتظرت من أستاذ الفقه المقارن والشريعة الإسلامية بجامعة الأزهر الشيخ أحمد كريمة أن يستنكر خطاب زميلته الفقيهة، على الأقل بدافع الغيرة على المسلمات؛ فربما تنتصر إسرائيل في معركة، وتسارع إلى معاملة نسائنا وفقا للقانون نفسه، وتأخذهن “سبايا”، وتنظم أسواقا لبيع النفوس البشرية، ولكن غيرة الشيخ ذهبت باتجاه آخر، فانشغل بما ليس مطلوبا منه، خائضا في وحل السياسة، وأفتى بما لا يحيط به علما، في اجتراء على ما يحير ألباب أهل الاختصاص من علماء التاريخ والجغرافيا والقانون الدولي. قطع الشيخ كريمة في مقال عنوانه “الجزيرتان رؤية فقهية”، بصحيفة “الأخبار” الحكومية، بأن الجزيرتين “وديعة” يجب ردها إلى أصحابها أو ورثتهم، غير آبه أن تتلوث ثيابه أو عمامته بالدفاع عن الموقف المصري الحكومي الذي يتبنى، بإلحاح غير مفهوم، التنازل عن ملكية جزيرتي تيران وصنافير المصريتين.

لا أظن أن نقص الفقه بالفقه هو السبب الذي يدفع وزارة الأوقاف المصرية إلى توحيد خطبة الجمعة وتعميمها على المساجد، في طرفة تعيدنا إلى أزمنة الراعي والرعية، والدعاء في خطب الجمعة لمن يتغلب بالسيف على غريمه، فقتل بيبرس لصاحبه قطز المظفر سيف الدين في نهاية معركة عين جالوت، لا يمنع الخطباء من أن يدعوا له بالنصر، ويصير لقبه “الظاهر ركن الدين”.

توحيد الخطبة بدافع إحكام السيطرة الأمنية يحوّل الخطباء إلى آلات لقراءة بيان واحد، يفقدهم مهارات التفاعل مع المصلين، وينزع عن الخطب نعمة التنوع الملائم لكل مجتمع، ففي أحياء الأثرياء تكون الدعوة إلى الإحسان ودفع زكاة المال، وفي المصانع تحث الخطبة على إتقان العمل، وفي الأسواق يكون الكلام عن عدم تطفيف الميزان والنهي عن الغش، وفي مجتمعات تحرم النساء من الميراث تعنى الخطبة برد الحقوق إلى أصحابها وإنصاف النساء “شقائق الرجال”، وفي مجتمعات رجال المال والأعمال يذكر قول عمر بن الخطاب “احتكار الطعام إلحاد”، وفي حضور المسؤولين التنفيذيين يكون موضوع الخطبة عن الفساد واستغلال النفوذ.

توحيد خطبة الجمعة، في هذا التوقيت، يدعو إلى الريبة. وبدلا من إعادة تأهيل الوعاظ وإكسابهم قيما حداثية تختلف عن الاستعانة بالكمبيوتر اللوحي المصاحب للحبيب الجفري، ستغنيهم ورقة مكتوبة توحد مصلين متعبين عن غفوة الظهيرة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر