الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

الجمعة 28 يوليو/تموز 2017، العدد: 10705

ابن بيئتي ليس أنا

الاتهامات لم تعد تلاحق أفراد عائلة الإرهابي فحسب بل شعوبا بأكملها، وقد فتح قفص الاتهام على مصراعيه للعرب والمسلمين خصوصا أينما كانوا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/07/22، العدد: 10342، ص(21)]

ابن بيئتي ليس أنا، وحتى ابن والديّ الذي هو شقيقي أو شقيقتي البيولوجيين، لا ينوبان عني في أفكاري وتوجهاتي في الحياة، وقد لا نتشابه غالبا في الخواطر والمشاعر والأفعال والأقوال، ولا بأي شكل من الأشكال.

صحيح أننا عشنا في نفس بيئة الرحم، وتربينا داخل نفس أجواء الأسرة، وتلقينا نفس المبـادئ والقيـم، وتكونت لدينا “ذاكرة أخوية” مشتركة نشأت ونحن مازلنا أجنة، وأثـرت فيها السنوات التي أمضيناها في كنف آبائنا، ولكن كل هذا ليس كافيا لتحديد طباعنا وميولنا وأهدافنا وأيديولوجيتنا، فمهما كانت بيئتنـا البيولوجية والأسرية مشتـركة، فإنها لا تتحكم بالضرورة في مصير كل واحد منا، بل هناك الكثير من الأشياء العـرضية الـتي قـد تغير مسار حياة كل منا.

كما أن الأقدار لا تترجم بالمعنى الحرفي ما أراده وأحبه الآباء لأبنائهم وربوهم عليه من مبادئ وقيم منذ نعومة أظفارهم.

الأسر لا تنتج نسخا مطابقة للأصل من الأبناء، يحملون نفس المؤهلات والطموحات، وكذلك المجتمعات لا تصنع بشرا نمطيين بطبعهم، لأنها لا تملك قوالب جاهزة تصقل فيها جميع الأجيال لتكون بنفس الوعي والذكاء والفعل والأداء.

صحيح أن حياة كل إنسان لا يمكن أن تفهم إلا في إطار مجموعة من الترابطات البيولوجية والفيسيولوجية، ولكن مهما كان الأساس واحدا بين الأشقاء والأبناء والآباء والأفراد والمجموعات، فالاستثناءات قد تكسر جميع القواعد والافتراضات، ولذلك فكل شخص يعبر عن ذاته وله مساره المختلف في حياته.

وهذا في حد ذاته، لا يجب أن يفهم على أنه شق لنسيج العلاقات العائلية والاجتماعية التي هي أساس شعورنا بالانتماء، والذي يجعلنا بدوره نحب الحياة.

والإرهاب في حقيقة الأمر لم يأت من فراغ، إنما هو نتاج طبيعي لغياب مصادر الدعم العاطفي العائلي والإحاطة الاجتماعية، فالشعور بالعزلة داخل الأسرة، وعدم الانخراط في المجتمع وأداء دور فيه، يمكن أن يزيد من مشاعر الإحباط التي تجعل الكثيرين يلتحقون بالتنظيمات الإرهابية بحثا عن ذواتهم التي افتقدوها في بيئتهم، ويعتقدون أنهم سيعثرون عليها في أماكن أخرى.

ولكن مهما يكن من أمر فرابطة الإرهاب لا يمكن أن تجعلنا نساوي بين الارهابي الذي يزهق الأرواح بكل برودة قلب، وبين أفراد عائلته الذين لم تقترف أيديهم أي جرم، ولم تدبر عقولهم أي فعل مشين، ونضعهم في كفة ميزان غير عادلة، تحولهم إلى جناة وهم في الغالب أبرياء.

وما نلاحظه اليوم، أن الاتهامات لم تعد تلاحق أفراد عائلة الإرهابي فحسب بل شعوبا بأكملها، وقد فتح قفص الاتهام على مصراعيه للعرب والمسلمين خصوصا أينما كانوا، على الرغم من أن الإرهاب عالمي ويضم في صفوفه عناصر من جنسيات وديانات مختلفة.

ولكن في جميع الأحوال منابع الإرهاب لا يمكن أن تجف بعد التراشق بالاتهامات، بل من إرادة دُولية قوية تتجاوز الخلافات الإثنية والدينية والاختلافات العرقية والمذهبية، حتى تتمكن من القضاء على العوامل والأسباب التي تغذي وتعيد إنتاج المتطرفين، وهذا هو التحدي الحقيقي أمام ترسيخ مبدأ التسامح بدلا من التعصب والتطرف.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر