السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

سر الصندوق

بعد سنين قليلة، سيكون باستطاعة كل طفل في الشرق أو في الغرب، اكتشاف أي خدعة يراد لها أن تنطلي عليه. وهيهات أن تتمكن الجهات التي تنسج الخدع، من اللحاق بعقله، ذلك الصندوق السرّي الصغير.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/07/22، العدد: 10342، ص(24)]

قبل فترة، تلقى مجلس اللغة السويدي الأعلى، احتجاجا حاد اللهجة من شركة غوغل، على انتشار كلمة في المجتمع السويدي، اعتبرت إهانة كبرى للشركة وللذكاء الإلكتروني. إذ كيف يجرؤ السويديون على اشتقاق كلمة “Ungoogleable” والتي تعني “غير قابل لأن يكتشفه غوغل”. لكن الدولة السويدية اعتبرت أن هذا الطلب تدخلٌ في السيادة.

وفي الفضاء الأوروبي ذاته، وعلى بعد عدة مئات من الأمتار عن بيتي، تُعرض آلة فائقة الذكاء، يمكن لرواد المكان مشاهدتها وهي تعمل. وقفت طويلا أتأمّل المعنى الذي تأتي منه، والجذر الذي تعتبر تطوّرا تقنيا له.

بالعربي، آلة بحجم صندوق عرس من صناديق الجدات. كان مليئا بالأقمشة الفاخرة التي احتفظن بها حتى آخر لحظات حياتهن، مع علب التتن المهرّبة عبر الحدود، التي كن يخبئنها للأزواج والأبناء والأحفاد، مع العطور الذهبية بزجاجاتها الطويلة ذات الحواف المزخرفة. وربما كان في ثنايا العالم الواسع الذي في الصندوق هباري صنعت في مكان ما لم يعد موجودا اليوم. صندوق العرس التقني الجديد، لا يعمل بالمجهول كصندوق باندورا، بل بالمدخلات الرقمية، الأشكال والمعادلات التي يقوم بتحويلها إلى كائنات في الفراغ.

الطابعة ثلاثية الأبعاد، لا يمكن النظر إليها على أنها مجرد تطوّر تقني مثل غيرها من فتوح العلم. هي تحويل للمعرفة من بعدين إلى ثلاثة، ومن السطر إلى الجسم، ومن الكلمة إلى الشيء.

وقد صارت تلك العلاقات بين المعطيات، أساسا حقيقيا لكل شيء في الحياة. ولعلها كانت كذلك طيلة الأزمنة، لكننا لم نكن نعرف. أما اليوم فقد انكشف المستور واتضح أن العلم هو ما يحرّك كل شيء، لا السحرة ولا العرافون ولا المطبلون والمزمّرون.

غير أن العقل الإلكتروني الذي لا يقبل إعلان فشله تجاه أي مهمة، يستطيع فقط تحويل الكلمات الواضحة إلى مجسّمات، مثل الرجل والكرسي والكرة. أما الكلمات ذات البعد التجريدي الخرافي، فهي التحدي الكبير الذي يقف ذلك العلم عاجزا أمامه، إذا كيف يتمكن من فهم مفردات مثل “القائد الخالد”، و”مرشد الإخوان” الذي لا تجوز مخالفته، “وجهاز الإيدز والكفتة والكباب” الذي أثبتت المحكمة المصرية زيفه قبل أيام؟

على أن مصر لم تكن لتفوّت على نفسها عصا السبق في الموضوع الأخير ذاته، لكن قبل اكتشاف الكباب إياه. وكما تقول الإيكونوميست فإن مصريا كان بالفعل هو من طوّر علاج الإيدز. إنه ريموند أشكنازي المولود في الإسكندرية، الذي يعود إليه وإلى أبحاثه، الفضل في جميع الجهود التي قادت البشرية إلى ابتكار علاجات لمرض الإيدز والتهاب الكبد الوبائي سي. “سوفالدي” هو اسم عقار إشكنازي الذي سجل باسمه أكثر من 90 براءة اختراع، وقد حصل على مبلغ 440 مليون دولار مقابل أبحاثه، بالعلم لا بالكباب.

بعد سنين قليلة، سيكون باستطاعة كل طفل في الشرق أو في الغرب، اكتشاف أي خدعة يراد لها أن تنطلي عليه. وهيهات أن تتمكن الجهات التي تنسج الخدع، من اللحاق بعقله، ذلك الصندوق السرّي الصغير.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر