الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

الاربعاء 28 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10675

تواصل اجتماعي مزيف

عندما تظهر الحقيقة بزيف تلك الوثائٍق تضيع الفرصة لفضح السرّاق الحقيقيين بسبب الشك في أنها ربما تكون مزوّرة ومفبركة كسابقاتها فتضعف ساعتها المصداقية وتحلّ الشكوك ويختبئ ويضيع اللصوص وسط الأبرياء.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/07/26، العدد: 10346، ص(18)]

لم يعد هنالك من سبب يمنع أي أحد من أن يقول ما يشاء على صفحات التواصل الاجتماعي، كلٌّ صارت عنده صحيفته يخط فيها أفكاره ويوميّاته، لن يدفع مالا ولن يحاسبه أحدٌ على ما يكتب، منحت وسائل التواصل الاجتماعي ذلك بسخاء للملايين من البشر على سطح الكوكب الأرضي، استسهل المواطن ذلك فراح يصيب حينا ويخطئ حينا في ما يكتب لكنّ الأهم هو مساحة الخطأ والصواب في مشاركة المنشورات، تلك الآلية التضامنية التي تجعل الكلّ شركاء في الرسالة التي تُنشَر.

هذا الاستسهال خلق سلوكا فرديّا تعكّز على وهم المصداقيّة، أن كل ما يأتيه من قوائم أصدقائه في موقع التواصل الاجتماعي هو صحيح وجدير بالثقة.

زاد من وطأة هذا الوهم بالحقيقة الدوافع الآنيّة التي تحرّك الكثيرين عند نشر ما ينشرون.

دوافع منها الاستقطاب الشديد الذي صار يضرب العالم العربي، حتى صار كل طرف لا يتورع عن تلفيق القصص ضد الطرف الآخر، وتقع في مقدمة ذلك الصور المزيّفة والمفبركة.

سوق الفوتوشوب مزدهرة هذه الأيام وكمّ الصور الملفقة والمفبركة لا حدود له.

بالإمكان مثلا استنساخ صور من الصراع الدائر في سوريا أو مواجهة في فلسطين ولصقها بالساحة العراقية أو بالعكس وتحتها عبارة: انظر ماذا يفعلون بنا.

عشية التصويت لصالح تسجيل الأهوار العراقية على قائمة اليونسكو للتراث العالمي ظهرت في مواقع التواصل الاجتماعي صور لزوارق وصيادين في لقطات بعيدة لكن ليست من أهوار العراق بل من أنهار فيتنام وتايلند وكتب البعض تحتها “ما أجمل أهوارنا” !

عشية الانفجار الكارثي في سوق الكرّادة في وسط بغداد على يد تنظيم داعش الإرهابي انتشرت صور تظهر قيام دول عربية وأوروبية بلصق العلم العراقي على أعلى بناياتها تضامنا مع الضحايا العراقيين وكتب من نشر تلك الصور “تحية للأشقاء والأصدقاء على تضامنهم معنا”، ولكن كل تلك الصور كانت مفبركة بالفوتوشوب وتخص مناسبات وطنية وقومية رفعت فيها تلك الدول أعلامها الضوئية على مبانيها.

صور شباب يافعين ومراهقين في مواقع سياحية وأسواق في مدن أوروبية ظلت تنشر وتحت كل صورة كتب الناشرون أنه ابن النائب الفلاني وابن الوزير العلاني فيما هي صور أبناء أثرياء يركبون سيارات فارهة ويتجولون في مراكز التسوّق العالمية. أما الوزير، أو النائب، فيتعذر أنه بلغ من العمر عتيّا وأن أصغر أبنائه في الأربعين من العمر وليس عنده شاب ولا مراهق من الأبناء، وزير آخر يقول إنه أصلا ليس عنده غير ابنتين اثنتين متزوجتين وليس عنده ولد ..!

المضي في حملات التشهير أو الدعاية المقصودة لا يوقفه زيف أو فبركة مع علم من يقوم بالمهمة بأنه يقوم بالتزييف والفبركة والكذب على أقرب الناس إليه، عائلته وأصدقائه، بسبب طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي القائمة على العلاقة مع المقرّبين ولتتسع الدائرة لتشمل وثائق مفبركة عن وزراء ومسؤولين ينهبون المال العام وعندما تظهر الحقيقة بزيف تلك الوثائٍق تضيع الفرصة لفضح السرّاق الحقيقيين بسبب الشك في أنها ربما تكون مزوّرة ومفبركة كسابقاتها فتضعف ساعتها المصداقية وتحلّ الشكوك ويختبئ ويضيع اللصوص وسط الأبرياء بسبب تواصل اجتماعي مزيّف.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر