الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

الخميس 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10821

بيت العيلة.. رجعية وتراجع عشائري يؤجل 'مشروع' الدولة

بعض القضايا يمكن إثارتها وبحثها فقط كمسائل تاريخية، ومن الصحة النفسية والحضارية عدم الإجابة عن الأسئلة السابقة المفارقة للعصر، وتنبيه أصحابها إلى خلل في أنفسهم وتوعيتهم.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/07/27، العدد: 10347، ص(9)]

المشهد في قرية بمحافظة المنيا الجنوبية بدا جاهليا بامتياز. انتهى مصلون من “أداء” صلاة الجمعة، وأعطوا ما لله لله، وخرجوا من المسجد مطمئنين بالإيمان وسارعوا إلى قذف بيوت مسيحيين بالحجارة، في “جهاد مغلوط”، بدلا من أن يعطوا ما لقيصر لقيصر، إذا كانت لهم شكوى أو مظلمة. ولكنهم لا يحتكمون إلى قيصر وربما لا يعترفون به إلا تقية، ويرونه حليف مرحلة.

وقد انطلقت الحجارة التي ظنوا أنهم يرهبون بها “عدو الله” من وراء هذا العصر عبر كتب اصفرّت أوراقها، وأعيدت طباعتها من دون قراءة أو فقه عصري ينزع سمومها، ويبطل مفعول بارود كان مناسبا بل فرضا في مرحلة، ولكنه ليس قرآنا عابرا للأزمنة والأمكنة.

العدوان على مواطن أيا كان دينه أو مذهبه، وانتهاك دار عبادته أو حرمة بيته، يجب أن يسمى باسمه الحقيقي “جريمة”. وقد أدى تناسل هذا النوع من الجرائم، وتعدد صفات المعتدين وطبقاتهم، إلى الاجتراء على تكرارها؛ فإذا كانت الشرطة تعطي نفسها حق إطلاق النار داخل بيت يشتبه في إيوائه مطلوبين أو مشتبها بهم، استسهالا للقتل عن إجراءات آدمية عادلة ربما تنتهي ببراءة المقبوض عليهم، فليس على المسلم الغيور على دينه حرج في إحباط محاولات مسيحيين لبناء كنيسة في “ديار الإسلام”.

ثم يكون تغييب القانون والصمت الرسمي عن هذه الفتن الطائفية ضوءا أخضر لمصالحات عشائرية ذات طابع نفاقي، ظاهره التهدئة وتطييب الخواطر، وباطنه استقواء نجح في ملء فراغ ما بعد الحلم بدولة القانون، عقب ثورة 25 يناير التي لم ترفع شعارا طائفيا إلا قبيل خلع حسني مبارك بيومين، عندما تأكد لليمين الديني أنه قادم، وهتف ممثلوه مساء 11 فبراير 2011: “إسلامية.. إسلامية” و”الله وحده أسقط النظام”.

نجني حاليا بعض الثمار المرة والدامية لخطيئة الانحراف عن “مشروع الدولة” بعد الثورة المصرية. لم يحسن المجلس الأعلى للقوات المسلحة الظن بالثورة والشعب؛ فتحالف مع اليمين الديني المرتاب في الجيش، وقام بأولى محاولات جس النبض وأغراه النجاح بتكرارها.

في الصعيد أيضا، تحديدا في قنا التي شهدت رضوخ الجيش لليمين الديني الرافض لتعيين محافظ مسيحي، فاز المتطرفون بالجولة الأولى، ففي مارس 2011 وقعت “قرصة ودن” للدولة، حين قام متطرفون بأدوار المحقق والقاضي والجلاد، ونفذوا ما يرونه “الحد الشرعي” في مواطن مسيحي وقطعوا أذنه وأحرقوا سيارته وشقته.
أسباب الجريمة لا تعني الآن أحدا، ولكن ما بقي منها دلالة معالجة آثارها، فبدلا من محاكمة عادلة، تنتصر لحق الضحية وهيبة الدولة، جاءت المصالحة الأهلية بحضور ممثل للجيش وشيخ أزهري معمم وشاب سلفي. منذ تلك الواقعة أقر الجيش بصعود اليمين الديني، وبدأ تحالف أقرب إلى التواطؤ.

الجرائم الطائفية لا تستفز وزارة الأوقاف المسؤولة عن إدارة المساجد أو شيخ الأزهر وفروع كليات الشريعة في جامعة الأزهر، لا يدعوهم خوف على مستقبل الوطن إلى تنظيم مؤتمر، أو إصدار بيان وهو أضعف الإيمان، للإجابة عن سؤال واحد: ما الضرر الواقع على عقيدة المسلم من بناء كنيسة أو ممارسة غير المسلم لشعائر دينه، بحرية تتاح للمسلمين في صلاة الجمعة بالشوارع والميادين؟ ما لا يعلن عنه أن النظرة “الفقهية” الحاكمة للعقول قـديمة، تستعاد بغبار التاريخ ومعاركه، وتخلو من الفقه، فقه الدين والدنيا معا، ولا تعترف بحداثة إنسانية تجاوزت مصلحات “دار الإسلام”، و”غير المسلمين في بلاد المسلمين” و”التسامح مع أهل الكتاب”.

وحين بحثتُ عن موقف دار الإفتاء من بناء الكنائس وترميمها تعثرت في مواقع إلكترونية لها سدنة وجماهير وتمويل باذخ من منظمات ودول تدعم دكتاتوريتها بالمغالاة في إبداء الخوف على سلامة دين المسلم من إنشاء كنيسة، ولكنها تخصص ميزانيات مفتوحة لتأسيس مراكز للدعوة الإسلامية في “دول” لا تخشى على مواطنيها من تبشير بدين أو دعوة إلى الإلحاد، فلا يعنيها إلا أن يكون ما لله لله، وما لقيصر ليس للناطقين باسم الله.

من المواقع التي فاجأتني “مركز الفتوى” في “إسلام ويب”، والسياحة فيه انتقال بالقلب إلى صدر الإسلام، لتجد نفسك من المحاصرين في شعب أبي طالب، وتتهيأ نفسيا لإثارة هذه القضايا: حكم قتل الكفار: الموجبات.. الموانع.. والضوابط، حكم قتل الكافر غير المحارب، حكم قتل غير المسلم الذي يعمل في بلاد المسلمين، أحكام عقد الذمة، حكم أخذ الجزية من غير أهل الكتاب، هل يقتصر أداء الجزية على أهل الكتاب؟ هل يسمح لغير المسلم بالدعوة إلى دينه في بلاد المسلمين؟ هل تجوز المساعدة في استرداد حق الكافر من المسلم؟ هل منع النصارى من ممارسة شعائر دينهم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟

بعض القضايا يمكن إثارتها وبحثها فقط كمسائل تاريخية، ومن الصحة النفسية والحضارية عدم الإجابة عن الأسئلة السابقة المفارقة للعصر، وتنبيه أصحابها إلى خلل في أنفسهم وتوعيتهم بأن سؤالا خطأ لا تصح الإجابة عنه، فهو فخ للاستدراج إلى رمال متحركة. هـل يخير بريء بين القتل حرقا أو شنقا؟ أليس من السخف أن تسأل شعبا: هل تفضل الدكتاتورية أم الاحتلال؟ في حين أن كليهما يؤدي إلى الآخر، سببا ونتيجة.

أهربُ من بداوة الأسئلة فأنزلق إلى موقع “ملتقى أهل الحديث”، وفيه يسأل مواطن أردني عن حكم بناء الكنائس، في ظل مطالبة “أعدائنا بإقامة الكنائس في بلاد المسلمين، وأنها من حقوقهم. لا سيما أنها فتحت في قطر ومصر وغيرها، والخوف أن تفتح في سائر بلاد المسلمين”.

سؤال لا يحتاج إجابة من “فقيه” يطمئن السائل إلى ما يطمئن إليه، وإنما من متخصص في الطب النفسي لمصالحة السائل على عصره، وإخراجه من الكهف إلى الدنيا الرحيبة، من عتمة عين ترى في الآخرين “أعداءنا” إلى شرح حقوق الإنسان الذي كرمه الله.

جاءت الإجابة نصيحة بالرجوع إلى كتاب “حكـم بنـاء الكنائـس والمعـابـد الشركيـة فـي بـلاد المسلميـن” تقديم عبدالعزيز بن باز الذي امتدح مؤلفها “العلامة إسماعيل بن محمد الأنصاري الباحث في رئاسة إدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد”، وقطع بأن العلماء أجمعوا على تحريم بناء الكنائس في البلاد الإسلامية وعلى وجوب هدمها إذا أُحدثت.

مع وجود هذه الألغام “الفقهية” المزمنة، فمن الطبيعي تجاهل سبب الخلاف الطائفي، وأن يعقد “بيت العيلة”، وهو كيان أهلي يتحمس له شيخ الأزهر، جلسة صلح الخميس 21 يوليو بحضور الشرطة ورجال دين من الطرفين، تنتهي بتوصية الرجال بعدم الاستحمام في الترعة، ويسري الحظر بشدة على منطقة غسيل الأواني الخاصة بالنساء.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر