الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

عزلة النفس ولا جحيم الآخر

الخطأ الفادح هو أن تبنى العلاقات بين الأزواج على حسن النية فقط من دون الأخذ بأسباب النجاح والفشل المحتملة، قبل الدخول في تلك التجربة.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/07/29، العدد: 10349، ص(21)]

عزلة النفس أم جحيم الآخر، خياران لا مفاضلة بينهما، ولكن عندما يكون الإنسان مجبرا على الاختيار بين أمرين أحلاهما مر، فإن خيار الوحدة أرحم بكثير من صديق أو رفيق أو حتى شريك لا يتشابه معه في شيء، ويضر أكثر مما ينفع، ويأخذ ولا يعطي.

وما أكثر الأشخاص الذين تحيط بهم غمامة من السلبية في هذا العالم المليء بجينات الأنانية، ومبعث سعادتهم إيذاء غيرهم.

وليست هناك صورة أبلغ من وجوه الأطفال التي أصبحت تحمل علامات الجوع والمرض والألم واليأس، لتؤكد أن الآخر لم يعد يحمل في قلبه مشاعر الرحمة، بل صار مشحونا بالحقد والكراهية.

قد يكون الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر محقا في قوله “الآخرون هم الجحيم”، ولكن كيف سيكون هذا الجحيم إذا كان الآخرون هم أقرب الناس إلينا، وفي نفس الوقت من ألد أعدائنا، ويتصيدون أي فرصة لإيذائنا.

للأسف الأذى النفسي والجسدي والأضرار التي لا تجبر أحيانا، لا يتسبب فيها إلا معارفنا وأقرب الناس إلينا، والبعض من الناس قد يتحملون فوق طاقتهم من أجل الإبقاء على علاقتهم بالمقربين منهم الذين يتصفون بالأنانية والخداع ويعيشون على أمل أن يأتي اليوم الذي فيه يتغيرون ولكن يمضي الزمان وهم ثابتون.

وأسوأ ما في صبرهم التوتر الذي يصيبهم، وفي أغلب الأحيان يفيض كأس الصبر وتصبح كل الأشياء الجميلة في حياتهم بلا معنى.

والخطأ الفادح هو أن تبنى العلاقات بين الأزواج على حسن النية فقط من دون الأخذ بأسباب النجاح والفشل المحتملة، قبل الدخول في تلك التجربة.

ومن حسن الحظ أن الانطباعات الأولية عادة ما تلعب دورا كبيرا في تقييم الأشخاص عند مقابلتنا لهم لأول مرة، ولكن حتى وإن كانت في أغلبها مرشدا صحيحا، فالكثيرون لا يأخذون بها ويغالطون أنفسهم ويقبلون على الارتباط بمن لا يجمعهم بهم أي توافق أو انسجام، معتقدين أن حياتهم الزوجية ستكون بستانا من الزهور، وأن جميع الأمور ستكون على أحسن ما يرام، ثم تصيبهم الصدمة الكبرى، بعد أن يجدوا أن كل الأشياء تسير عكس ما أرادوا، وأن حياتهم أصبحت شبيهة بجهنم.

وعلينا أن نكون واقعيين، فالرغبة في تغيير الآخرين ليست خيارا مجديا مع جميع الأشخاص، حتى لو تغاضينا عن أخطائهم وقدمنا من أجلهم الكثير من التنازلات، لأنه ليس من السهل تغيير شخصيات الأشخاص الأنانيين أو تهذيب سلوك المرضى النفسيين، لأنهم هم أنفسهم عاجزون على السيطرة على أفعالهم وأقوالهم وتصرفاتهم، كما أنهم لا يعون عواقب ما يفعلونه ولا يهتمون بما يحدث لغيرهم.

وللأسف في بعض الدول العربية مازالت النظرة الدونية للمرأة تجبر العديد من النساء ممن أصبحن في نظر المجتمع “فاقدات للصلاحية” على اللهث وراء فرصة زواج حتى لو لم تكن متكافئة، من أجل التخلص من لقب عانس والحصول على لقب “مدام”، فينتهي الحال بأغلبهن إلى مأساة متعددة الفصول جراء سوء اختيار شريك الحياة.

وهناك الكثير من القصص التي تدمي القلوب والصرخات المكتومة لنساء لا يجدن من يرحمهن، لا من الزوج ولا من الأسرة والمجتمع، ولا حتى من القانون الذي يلجأن إليه طلبا للإنصاف.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر