السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

من القن إلى القن

اليوم انفلت عقال العالم، لا سيما حين أعلن أحد أذكى العقول البشرية، بيل غيتس الشهر الماضي أن شركته الكبرى قد اتفقت مع منظمة هيفر إنترناشيونال للتنمية على تقديم مئة ألف دجاجة إلى عائلات أفريقية.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/07/29، العدد: 10349، ص(24)]

أعرف رجلا ريفيا اسمه حسن. فقير وبسيط، يعيش مما قسم الله له من الرزق. أصابته في بداية التسعينات من القرن الماضي لوثة الكومبيوترات. فصار يتحدث عنها طيلة الوقت، وكأنه مندوب مبيعات لمايكروسوفت. ولأن ظروف الطبقة العاملة في العالم العربي، كانت عسيرة، فقد اضطر حسن إلى سحب قرض على مرتّبه لشراء جهاز كمبيوتر ثقيل، مع شاشته ومعداته المعروفة. أقام حسن احتفالا في بيته من أجل هذا الجهاز، وأخذ يزيّنه ويلصق على شاشته خرزة زرقاء وملصقات مثل “تبارك الرحمن”. وكنت حين أزوره، يعرض عليّ كيف يعرض الصور، وتكاد زوجته تزغرد حين تنفتح نافذة من نوافذ الويندوز، أو حين يطنّ صوت يعلم صاحبنا بأن إيميلا قد وصل إلى علبة البريد.

وبسبب شح المعرفة، صار حسن أحد البارزين في جمعيات تقنية في مجال المعلوماتية، وأخذ يستعمل الكمبيوترات في مراكز الأبحاث، وينتج أفكارا أثّر من خلالها على كثيرين في مجالات التاريخ والسياسة والأدب.

واليوم انفلت عقال العالم، لا سيما حين أعلن أحد أذكى العقول البشرية، بيل غيتس الشهر الماضي أن شركته الكبرى قد اتفقت مع منظمة هيفر إنترناشيونال للتنمية على تقديم مئة ألف دجاجة إلى عائلات أفريقية في وضع معيشي صعب.

ويرى غيتس أن تربية الدواجن، أفضل من أن يقتني الإنسان جهاز كمبيوتر تنتجه شركته. وقد كتب على موقعه الخاص إنه “من البديهي بالنسبة إلي أن أي شخص يعيش في الفقر المدقع سيحسن وضعه إن اقتنى بعض الدجاج”.

ولم يكتف الملياردير الأميركي بهذا فقط، بل أخذ يفصّل في مشروعه شارحا أن عائدات ومردود هذا المشروع، أفضل من أي حلول أخرى، لأن تربية الدجاج “لا تكلف كثيرا، فهو يتكاثر بسرعة، ويساهم بيضه ولحمه في توفير تغذية مفيدة للعائلة”.

قلنا لعله اقترح هذا وسكت، لكنه واصل الترويج لفكرته بالقول “بما أن الدجاج صغير الحجم ويبقى عادة قرب المنزل، ينظر إليه في الكثير من المجتمعات على أنه حيوان مرتبط بالنساء، مقارنة مع المواشي الكبيرة الأخرى مثل الأبقار والماعز، لذلك فالنساء اللواتي يبعن الدجاج، يستثمرن العائدات في أسرهن”.

غيتس لا يمل ولا يكل من محاولته لإقناعنا بالأمر، يقول “فليبدأ المربي الجديد بخمس دجاجات بياضات، وعقب ثلاثة أشهر يمكن أن يصبح لديه أربعون فرخا. وبنهاية المطاف بسعر 5 دولارات لكل دجاجة، وهو متوسط الثمن في غرب أفريقيا، يمكن كسب أكثر من ألف دولار في العام”.

كان حسن يربي الدجاج في قنٍّ صغير بحديقة منزله في ضواحي المدينة، ولكني متأكد من أنه لم يكتف بالقرض البنكي في تلك السنوات، وأنه وبعد أن اندفع سيل التقنية الأميركية، قام ببيع دجاجاته، ليكمل ثمن أجهزة الأجيال الأولى من كمبيوتر بيل غيتس. والآن وبعد مرور ثلاثة عقود على تضخم هذا الابتكار، سيبيع حسن ذاته الذي أصبح جدا اليوم، كل منتجات مايكروسوفت، ليشتري بها قنّا للدجاج ويضعه في بيته الذي لم يعد موجودا في بلاده التي ضيعتها حروب العولمة الأميركية.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر