الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

الثلاثاء 24 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10791

فيلم 'التطهير في عام الانتخابات': العنف المقدس يجتاح أميركا

  • قد يصل العنف في بعض الأحيان حد اللامنطق والعبث، بمجرد الرغبة في إيقاع الألم وتدمير حياة الآخرين وإشاعة الهلع والفوضى وإخراج المكبوت واللاوعي بغرض التسيّد على الآخر الأضعف، ولكن ماذا لو تحوّل هذا كله إلى سلوك مشروع وقانوني، وقتل الناس بلا سبب أمر مباح؟ تلك هي الخلاصة التي نخرج بها من فيلم “التطهير في عام الانتخابات” للمخرج جيمس ديموناكو وهو فيلمه التاسع ما بين إخراج وكتابة سيناريو من إنتاج العام 2016.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/08/01، العدد: 10352، ص(16)]

تحول العنف والجريمة إلى ثقافة

رحلة مع العنف المقدّس تلك التي سيأخذنا إليها فيلم “التطهير في عام الانتخابات”، حيث يغوص عميقا في الذاكرة والوعي والثقافة الجمعية للمجتمع الأميركي على افتراض أن هذه هي صورته في العام 2022 وعشية البازار الانتخابي المعتاد الذي خبره الرأي العام من حول العالم.

يبرز في الفيلم رمزان للواقع الأميركي المشوّه والمليء بالصراعات ونزعات الكراهية، وهما المرشحة روان، التي تقوم بدورها الممثلة إليزابيث ميتشيل، في مقابل خصمها أوينز، الذي يؤدي دوره الممثل كايل سيكور.

تقع الأحداث عشية الاحتفال السنوي بعيد التطهير وهو عيد كابوسي يتشبث به الأميركيون ويعدّونه وفاء للأجداد المؤسسين وتباركه الكنيسة التي تطلق يد الآباء المؤسسين الجدد، وفي هذا العيد تتم عمليات إبادة هائلة وحفلات تمثيل وترويع في كل أنحاء الولايات المتحدة، وتكون وظيفة الأجهزة البلدية إطلاق النداءات لجمع جثث القتلى.

إذن هي ليلة القتل والترويع، حيث الكل يجهز على الكل، لكن المرشحة الرئاسية روان هي من تتصدى إلى هذا الإجرام وسيكون أحد وعودها الانتخابية إيقاف عيد التطهير السنوي ومقاضاة من يمارس ذلك، وبذلك تكسب عقول وقلوب شرائح واسعة ولهذا تصبح هدفا لتلك المنظمة السرية المدعومة ماليا وبشريا.

يجثم ليل ثقيل وتضطر المرشحة الرئاسية إلى الاختباء في قبو معزول، لأنه من المؤكد أن خصومها سيستغلون القتل العشوائي المتفشي ويجهزون عليها، لكن ما لم يكن في الحسبان أن أفرادا من فريق حمايتها يتم اختراقهم وتستطيع قوة من الكوماندوس التسلل إلى المخبأ ليخلصها حارسها الشخصي ليو، الذي يقوم بدوره الممثل القدير فرانك غريلو، في آخر لحظة، ويجدان نفسيهما يجولان في عتمة الليل بحثا عن مكان آمن.

وعلى هذه المسارات تبنى قوتا الصراع في الفيلم وما بينهما، فليست الأحداث الجانبية تسهم في تأجيج تلك الدراما، لأن ملاحقة المرشحة الرئاسية لن تتوقف للحظة، فالحوامات والطائرات المسيّرة تبحث عنها وفرق القتل المنتشرة تقتفي أثرها.

يبنى الفيلم دراميا على هذه الثيمات وينجح المخرج وهو نفسه كاتب السيناريو في تقديم حبكة درامية متميزة وعلى درجة عالية من متعة المشاهدة، فالأحداث متلاحقة وبين الحين والآخر توشك المرشحة الرئاسية على الهلاك ليتوفر من يسرع في إنقاذها.

وعلى صعيد البناء المكاني يمكن أن نطلق على البلاد بالمكان الكابوسي، فالشوارع شبه مقفرة إلا من حشود ترتدي أقنعة وملابس غريبة حاملة سواطير وأسلحة رشاشة، وفي هذا الجو من وسط الظلام بالإمكان أن يخرج أي كائن “فامبير” للإجهاز على أي عابر سبيل، فالمكان مخيف وممتلئ بالموت ذلك الذي نكتشف مكوناته في هذا الفيلم، فلا يوجد مكان خاص ولا شخصي، إذ تطمس الخصوصية ويعيش الكل أطول ليلة يمكن تصورها.

الزمن الفيلمي يرتبط بإحساس عميق بالرعب، وبأن ساعة الزمن قد توقفت تحت وقع المفاجآت المتلاحقة

وفي الفيلم يقيم المتطوعون في أقبية لأجل علاج جرحى المواجهات الدامية وهناك توجد المرشحة الرئاسية وحارسها، لكن اصطيادها يتم باقتفاء أثر الطلقة المستقرة في صدر الحارس الشخصي ليبدأ قداس دموي يتم فيه الإجهاز على الخصوم جميعا وتكاد تكون روان هي الضحية المقبلة وسط الصراخ المدوّي، إلى أن يتم إنقاذها في اللحظة الأخيرة.

يرتبط الزمن الفيلمي هنا بإحساس عميق بالرعب، وبأن ساعة الزمن قد توقفت تحت وقع المفاجآت المتلاحقة والحرب سجال في تلك الليلة بين الخصوم، أما السرد الفيلمي فيستجيب لتلك الدراما المشتعلة لتقديم صورة مجتمع تتصارع فيه قوتان وهما كما في الدراما التقليدية، قوتا الخير والشر.

لعبت الشخصيات الثانوية أدوارا بالغة الروعة والجمال والإقناع في هذا الفيلم، جو صاحب المتجر، الذي قام بدوره الممثل مكيلتي وليامسون، ومساعده ماركوس، الذي أدى الدور الممثل جوزيف سوريا، والمنقذة الشابة سائقة سيارة الإسعاف ليني، قامت بالدور الممثلة بيتي غابرييل، كل هؤلاء كانوا قوة مكافئة وسدّا بوجه الشرّ وكلهم ليسوا أميركان بيض بل يتراوحون بين الأفريقي والمكسيكي الأصل، بينما كان البيض يذبحون بعضهم البعض تحت مباركة الكنيسة.

ينجح المخرج جيمس ديموناكو مرة أخرى في تقديم تحفة فنية تضاف إلى فيلميه السابقين اللذين تناولا نفس ثيمة، العنف المقدس في المجتمع الأميركي “التطهير” (2013)، و”التطهير والعنف” (2014)، ليقدم في هذا الفيلم ذروة مهمة ذات بعد سياسي من خلال الانتخابات الأميركية وبعدا اجتماعيا من خلال تحول العنف والجريمة إلى ثقافة وممارسة تحيي تراث الآباء المؤسسين.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر