الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

الاربعاء 29 مارس/اذار 2017، العدد: 10586

تحطيم أصنام العقل بداية الإصلاح الديني

لا علاقة للمشهد السياسي الحالي باستدعائي للخطاب السلفي الإخواني. لا يعنيني من يحكم ومن في السجون، ومن سيتمكن من استعادة الحكم ويتبادل الأدوار.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/08/02، العدد: 10353، ص(9)]

الآية القرآنية التي قرأها الرسول صلى الله عليه وسلم في الكعبة، عقب فتح مكة، شديدة الدلالة، إعلان مبكر لحقوق الإنسان الذي كرمه الله أيا كان جنسه ودينه. يكفي استيعاب هذه الآية لنزع فتيل حرائق مزمنة، لا تكف عن الاشتعال في صدور من يتخيلون أنفسهم أوصياء على حشد الناس لإدخالهم في الإسلام، وإلا تعرضوا للعقاب يوم الحساب. كان النبي قد أمضى أكثر من عشرين عاما في تفكيك الصورة الذهنية للأصنام، ولم يكن مجديا أن يحطم الأصنام حول الكعبة في حين تترسخ حجارتها في العقول، وتهوي إليها القلوب. وكانت الدعوة درسا ذكيا في حمل الناس – بالحكمة والموعظة الحسنة- على التدرج من الاستلاب الوجداني إلى العقلانية باعتبارها معجزة الإسلام.

يسجل مؤرخو السيرة قول حامل راية الأنصار سعد بن عبادة، لما مر بأبي سفيان “اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشا”، فاغتاظ أبوسفيان، ونقل إلى النبي هتاف ابن عبادة، فقال النبي “بل اليوم يوم المرحمة، اليوم تعظم فيه الكعبة، اليوم أعز الله قريشا”، وأرسل إلى سعد من يأخذ منه الراية. ودخل المسجد بصحبة المهاجرين والأنصار، وطاف بالبيت وحوله ثلاثمئة وستون صنما، فطعنها بالقوس وأكمل الطواف وأخذ مفتاح الكعبة، ثم خطب في الحضور “الناس من آدم، وآدم من تراب”، ثم تلا آية “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى، وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير”.

هنا أمران: أولهما الإقرار بالمساواة بين البشر، وأنه “لا إكراه في الدين”، وأن الله غني عـن العـالمين، “ولو شـاء ربك لآمـن من في الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونـوا مؤمنين؟”، “ولو شـاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين”. أما الثاني فلا يتعلق بمفهوم التمكين وإنما بتهيئة الناس للتغيير والإصلاح وتوعيتهم بأن أصنام العقل أولى بالتحطيم.

عبر القرون، كانت كلمة “الإصلاح الديني” عنوانا لثورات دينية ليست على الدين، وإنما على مفاهيم وتأويلات بشرية مستقرة تستعبد الناس أو تظلمهم باسم الدين. وفي مصطلح “الإصلاح” إشارة غير صريحة إلى ما سبقه من إفساد، أو فساد وضلال بحسن نية أو بسوء. وقلما يتحمس للإصلاح من عاشوا زمنا في الضلال، يأنسون إليه ويستأنسونه ويستفيدون منه. وفي الغالب يقاومونه، حتى إذا تبين لهم اقتراب الخسارة انخرطوا في التيار الإصلاحي. وكذلك لا ترغب السلطة المستبدة في الإصلاح الديني لاحتياجها إلى دعم جموع تضمن تأييدهم، أما الأفراد الأحرار فيناقشون ويتسمون بأقدار متفاوتة من العناد. وكلا الأمرين: النقاش والعناد ترفضه السلطتان الدينية والعسكرية، فالأولى ترسخ في نفوس تابعيها أن الدين ينهى عن الجدل، وتلزمهم بالسمع والطاعة وإن تأمّر عليهم “عبد حبشي”، ولا تختلف الثانية في قضية السمع والطاعة إلا في المصطلح الذي يسمى “تنفيذ الأوامر” الهابطة من قمة تليها قمة، في نسق هيراركي ينتهي بجموع أشبه بآلات للتنفيذ. وفي الحالة المصرية لا ترحب السلطة من ناحية، والأزهر والسلفيون والإخوان من ناحية ثانية بالإصلاح الديني المنشود؛ لأن تحققه ينهي أدوارا تدخل في باب “الجهاد” أو “أكل العيش”، وتتداخل أنصبة أضلاع هذا المربع في تغذية طائفية بغيضة تتنافى مع روح الدين، ومع دور “الدولة” التي يفترض أن تحمي حريات مواطنيها، ولكنها تسمح لليمين الديني بممارسة أشكال من التمييز والطائفية، بعضها يصل إلى العدوان والقتل، لكي تتدخل في النهاية تدخلا عشائريا منقوص النزاهة والعدل، ثم يظل المجال العام مفتوحا أمام تكرار حوادث طائفية.

من ثمار الإصلاح الديني المنشود ألا يهين المواطن شعائر أديان أخرى، سخرية أو منعا. وألا ينشغل بتديّن الآخرين ودرجة إيمانهم بالله، وتقسيمهم بين أهل الجنة وأهل النار، وألا يقوم أفراد بمهام من مسؤولية السلطة التي تستمد بقاءها وشرعيتها، في حالة الضعف، من الإيهام بوجود مؤامرات، وتزعجها سطور في رواية، ويجتمع مجلس وزرائها ليصدر رئيسه قرارا يمنع عرض فيلم سبق أن أجازته رقابة تابعة للحكومة نفسها، في مزايدة على وكلاء الله الصارخين بتعرّض الدين لخطر إذا بنى مواطنون مسيحيون كنيسة.

تخلت الدولة عن دورها، وتركت المسيحيين للكنيسة، في مواجهة جموع طيبين أقنعهم سلفيون بحرمة بناء كنائس في “ديار الإسلام”. هذا تراث يجدده سلفيون في خطب الجمعة والفضائيات، ولا يجرؤ الأزهر على نقده أو نقضه، ولا يملك المسلم “الضحية” إلا الدفاع عما آمن بأنه “الدين الحق”، فينقضّ على الكنائس وأهلها. كنت من الذين تربوا على سموم مجلة “الدعوة” الناطقة باسم الإخوان، وغرست في قلبي أن المسيحيين المصريين رعايا في ديار الإسلام، ونشرت فتوى محمد عبدالله الخطيب، مفتي الإخوان، بعدم جواز بناء الكنائس في بلاد المسلمين، والنهي عن هدم الكنائس أو ترميمها إذا تصدّعت، أي أن الكنيسة تترك حتى تنهار، ولا تبنى كنيسة بدلا منها، كما يحرم المسيحيون من شرف الالتحاق بالجيش، استنادا إلى قول حسن البنا إن أهل الكتاب “ترخص الإسلام في أمرهم وأجاز الاكتفاء بأخذ الجزية منهم، فمتى تعهدوا بأدائها ورضوا بها فقد وجب أن يرفع عنهم السيف”. (أبريل 1979).

خطاب الجزية سارٍ في أدبيات السلفيين والإخوان. في العام 1997 نشرت “الأهرام ويكلي” تصريح المرشد العام للإخوان آنذاك مصطفى مشهور “لا يجوز دخول الأقباط إلى الجيش المصري؛ لأنه سيكون مشكوكا في ولائهم، وأنه بدلا من ذلك يجب أن نلزمهم بسداد الجزية”. فرفع محام جنحة قذف في حق مشهور، وجرت محاولات للصلح لكي يتنازل المحامي عن الدعوى، وقال مشهور للوسطاء “قولوا في الصلح ما تشاءون، ولكن هذا لا يغير من الأمر شيئا، فالنصارى يجب أن يدفعوا الجزية، ولا يجوز إدخالهم الجيش، فكيف يدخلون الجيش ويدافعون عن مشروعنا الإسلامي وهم لا يؤمنون بالإسلام.. هذا تشريع الله، هل نغير تشريع الله؟… لا يجوز أن نلقي عليهم السلام”. (ثروت الخرباوي: سر المعبد).

سألت المتحدث الإعلامي لحزب الدستور خالد داود الذي أجرى تلك المقابلة الصحافية مع مشهور عن صحة الواقعة، فقال إن مشهور شدد على أنه لا يحق للمسيحيين المصريين أن يلتحقوا بالجيش، لأن جيش “الأمة المسلمة” يهدف إلى “إعلاء كلمة الله”. وفي رأي داود فإن هذا الخطاب يتجاهل تماما كل أفكار الدولة المدنية الحديثة.

في حالة التمكين، تشمل الطائفية المختلفين في المذهب، ففي يونيو 2013، اقتحم مسلمون طيبون بيتا في الجيزة، وقتلوا أربعة من أهله الشيعة ومثلوا بجثثهم على خلفية هتاف: “الله أكبر”، بعد تحريض رموز سلفيين بحضور رئيس الجمهورية الإخواني في مؤتمر بأستاد القاهرة، ولم تستنكر جهة سلفية تلك الجريمة.

لا علاقة للمشهد السياسي الحالي باستدعائي للخطاب السلفي الإخواني. لا يعنيني من يحكم ومن في السجون، ومن سيتمكن من استعادة الحكم ويتبادل الأدوار. أناقش “الأفكار الطائفية”، مثلما أرفض الطبيعة العنصرية الصهيونية، حتى بعد زوال إسرائيل.

هذه الروح الطائفية تستحق جهودا جبارة، لتفكيك اللغم إلى عناصره الأولى، ونـزع الأحجـار، فـلا يصير الصنـم إلا حجارة.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر