الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الخميس 19 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10786

الطائفية الصحافية في زمن انتعاشها

ماراثون الصحافة الطويل بجولاته العديدة كفيل بلفظ ذلك الهيكل الخاوي وتنحيته جانبا عن المسار المعتاد لصحافة تنفع الناس وتحترم عقل القارئ العربي وذائقته ووعيه.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/08/02، العدد: 10353، ص(18)]

للصحافة سوقها العامرة هذه الأيام، تقفز إلى الميدان فجأة صحافة طارئة تقرأ كثيرا من الأحداث بالمقلوب، ليست مهمة فطنة القارئ وذكاؤه وعقله، بالإمكان تحييدها وتهميشها تماما، الأهم هو أن تخرج الطبعة أو التحديث إلى الفضاء الأرحب.

لا أحد سيعترض على هذا الخليط والفوضى الصحافية، صحافة معمّرة امتلكت تقاليدها وحافظت على خميرتها وصحافة مترفة بإمكانها أن تختار العاصمة أو العواصم التي ستصدر منها وإغراء طواقم صحافية لتمرير الموجة بسلام.

هي ظاهرة بامتياز، ذلك النمط من الصحافة الفئوية التي رهنت نفسها لخوض صراعات هامشية مفعمة بالمبالغات والإسراف في إيجاد الذرائع والأسباب حتى تتحول تلك الصراعات إلى قضية قدَريّة ومصيريّة.

عرف العاملون المخضرمون في الصحافة وكذلك القراء المخضرمون صحافة حكومية وأخرى تصدرها أحزاب وثالثة في شكل مشاريع مستقلة أو تجارية، لكن ما لم يكن خاضعا لهذا التصنيف هو ذلك الإعلام والصحافة الهجينة التي لا تعرف لها هوية محددة ولا شكلا، بإمكانها أن تنزل برصانة الخطاب الصحافي إلى أسفله، إلى قاع من المناكفات والشتائم ضد حكومة أو نظام أو أشخاص، بإمكانها أن تتحول بين عشية وضحاها إلى صحافة صفراء وصحافة نميمة لا لشيء سوى الإمعان في النيل من الخصوم.

صحافة بمحتوى طائفي فئوي منغلق وفضائيات تنحو ذات المنحى تلك هي ملامح الظاهرة السائدة في عالمنا العربي اليوم. نوع من المروق الغريب الذي تغلغل في المشهد الإعلامي والصحافي وصار يخلق له أبواقه وتوابعه بكل أريحية.

ليس هنالك مرصد صحافي عربي متخصص لتشخيص الظواهر الشاذة في الخطاب الإعلامي الفضائي ولا في الخطاب الصحافي ولا في صحافة الإنترنت، هنالك تسيّب عجيب واستسهال لتملّك الوسيلة الإعلامية وإطلاق عقيرتها ضد خصومها وتجنيد صحافيين مغمورين ونصف مغمورين في تلك المتاهة.

لا تخدم تلك العشوائية الصحافية سوى راكبي الموجات، الذين يجدون اليوم ضالتهم في الصحافة الطائفية والفئوية المنغلقة والمتقوقعة على ذاتها، ولهذا ستحار في شكل إعلامي حاذق في بعض الأحيان يجد لنفسه شتى الأغطية لكي لا يجري تصنيفه ضمن تلك الفصيلة الضالة.

شطارة إعلامية وصحافية في محاولة خلط الزيت بالماء وتخليط الأوراق والمفاهيم والقضايا مع بعضها البعض لكي يدور رأس القارئ غير اليقظ وتلتبس عليه الأمور وبالتالي سيتساهل في قبول هذا النوع من الصحافة، فلا ينكرها ولا يتصدى لها، وبذلك يجري تمرير الصفقة المطلوبة.

مع كل تلك التدابير التي هي من شيم الشطّار والعيّارين كما في الموروث، إلا أن هذا الشكل الطافح والطافي على السطح يبدو مثل ظاهرة لونية فاقعة وشكلا نشازا إذا ما توفر حد أدنى من الرؤية والقراءة الواعية للمشهد الصحافي والإعلامي، فسيظهر جليا ذلك النوع من الصحافة التي تتاجر ببضاعة طائفية وفئوية.

وإن كانت لها جولة فإن ماراثون الصحافة الطويل بجولاته العديدة كفيل بلفظ ذلك الهيكل الخاوي وتنحيته جانبا عن المسار المعتاد لصحافة تنفع الناس وتحترم عقل القارئ العربي وذائقته ووعيه.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر