الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

معارف دافئة ومريحة

دون أن ندري نتأثر بآليات التفكير. لن نجد مسطحات أصلا، كل ما نراه مجسّما. في الغالب الحياة مجسمة والهندسة الأقليدية مسطحة ذات بعدين.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/08/02، العدد: 10353، ص(24)]

سمعت رأيا يقول “مرّ على تركي للدراسة خمسة عشر عاما ولم يصادفني شيء في الحياة يستوجب معرفتي نظرية فيثاغورس. لماذا علمونا تلك النظرية ولماذا لم يعلمونا ملء استمارات الضرائب مثلا؟”.

نظرية فيثاغورس تقول لنا إن المربع المنشأ على الوتر يساوي مجموع المربعين المنشئين على الضلعين الآخرين في المثلث قائم الزاوية، وهي نظرية تتطلب وضعا خاصا جدا لتكون مفيدة، لكني أرى أنها مفيدة دائما.

المعارف الأولية لها فوائد عميقة لا تتضح بسهولة لكنها فوائد موجودة وأساسية. إنها معارف تتيح لنا أن نكون موجودين في العالم وفي البيئة الإنسانية وفي عصرنا. أنا لم أجد فائدة ملموسة من معرفتي أن الشنفرى قال “أقيموا بني أمي صدور مطيّكم فإني إلى قوم سواكم لأميَل”، لكن هذا البيت العظيم تريحني معرفته وأذكره وأمتن لمعرفته التي تجعلني أتذوق قيمة الكلمات وكيف توظف بشكل مبهج وجميل.

كان لي صديق سمين اسمه ضياء. كان يجاهد من أجل أن يفقد شيئا من وزنه دون عناء. كان كسلان لا يطيق الحركة، وفقدان الوزن يتطلب الحركة والجهد. قلت له يوما “هل أدلك على طريقة تفقد بها الوزن دون عناء؟” فرحب بهذا وأراد أن يعرف. قلت له تستطيع أن تملأ البانيو (المغطس) بماء دافئ وتستلقي فيه وستفقد وزنا. قال كيف؟ قلت ستفقد من وزنك بقدر وزن السائل المزاح.

إذن من يقول أنا لا نحتاج قاعدة أرخميدس بعد ترك الدراسة؟ القاعدة واضحة وتنص على أن كل جسم، ومن بينها جسم ضياء، إذا غمر بسائل ما، يفقد من وزنه بقدر وزن السائل المزاح. ذكرت القاعدة واستخدمتها لإنعاش آمال ضياء البدين بعد ترك الدراسة بنحو ثلاثين عاما.

تستوقفني بلاغة تلك المعارف. هناك بلاغة حتى في جدول الضرب. جملة ستة في سبعة تساوي اثنين وأربعين بليغة وموجزة. جملة فيثاغورس عن المربع المنشأ على الوتر بليغة، وتعلّم برهانها يعلمنا المنهج وآلية التفكير. كل دروس الرياضيات والهندسة الأقليدية تصير جزءا من طريقتنا في التفكير ولن نجد في الحياة حاجة إلى النظريات ولكن إلى طريقة التفكير.

دون أن ندري نتأثر بآليات التفكير. لن نجد مسطحات أصلا، كل ما نراه مجسّما. في الغالب الحياة مجسمة والهندسة الأقليدية مسطحة ذات بعدين. لكن المرأة مثلا تعرف الوتر وتدرك أنه الأطول في مثلث قائم الزاوية حين تطوي غطاء الرأس وتخصص الوتر للإحاطة بالوجه. كل “إيشارب” مربع ويطوى إلى مثلث قائم الزاوية فيه وتر يطوق الوجه لدى ارتدائه.

هذه معارف تبعث إحساسا بالراحة تضعك في مدارج الصغر وتلقّي العلم. السهر لاستذكار قصيدة الشنفرى ليس جهدا ضائعا بل تدريب على الذوق. أعرف مؤرخا عنده ملصق كبير في غرفته للجدول الدوري. ينظر إليه كل يوم ويرتاح لأن الفلزات والغازات الخاملة في مواضعها وترتيبها الآخذ في الاعتبار خصائصها ووزنها الذري. وليس في دراسة التاريخ ما يتطلب معرفة موقع القصدير من الصوديوم.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر