الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

الخميس 25 مايو/ايار 2017، العدد: 10643

أورورا

هل يمكن أن يحدث ما رواه فتحي جمعة، إذا ما استمر العرب حائرين بين التمسك بإحدى الحكمتين؛ حكمة المنصور أبي جعفر، أو حكمة المنصور ابن أبي عامر.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/08/05، العدد: 10356، ص(24)]

جمع المنصور العباسي حاشيته في مجلسه الفخم، وقال لهم “أجِعْ كلبكَ يتبَعك”. فأعجب الحاضرون بحكمة الخليفة، ولكن أحد الجالسين قال له “نعم. ولكن ربما يلوّح له غيرك برغيف، فيتبعه ويدعك”. وردت هذه القصة القصيرة في موسوعة العقد الفريد، إلى جوار شعر رقيق لابن عبد ربه قال فيه “أعطيته ما سألا/ حكّمتهُ لو عدلا/ وهبْتُه روحي فما/ أدري به ما فعلا/ قلبي به في شغلٍ/ لا ملّ ذاكَ الشغلا”. ثم شاعت تلك الكلمات على شكل أغنية لأورورا.

كلمة أورورا تعني “صبح”، وتشير إلى الشفق القطبي الفاتن. وكانت أول مرة سمعتها فيها، حين عثرتُ على صورة لعلبة مجوهرات فريدة صنعت من العاج، بإطار من الكلمات العربية المحفورة بالخط الكوفي. تعود ملكيتها إلى الجارية البشكنجية أورورا، والدة الخليفة الأموي هشام بن المستنصر بالله. والتي وقع في حبها في قرطبة “منصور” آخر هو محمد بن أبي عامر.

ولن أفلت من يدي كلمة “بشكنجية” التي مرت قبل قليل، والتي تعني “الباسكية”، نسبة إلى إقليم الباسك شمال أسبانيا. أهل الباسك يتحدثون لغة صنّفها العلماء على أنها أصعب لغة في العالم. وهي لغة سامية مثل العربية، عششت في قلب أوروبا قديماً.

درس اللغة الباسكية أنها، وعلى النقيض من لغتنا العربية وغيرها من لغات المشرق، تنتشر اليوم بين شباب الباسكيين لا بين شيوخهم، فكبار السن لا يعرفون شيئاً عنها، بسبب حظر التحدث بها. بينما قام الشباب بإحيائها واستعمالها في الحياة اليومية، لتعود معها الهوية من جديد.

أما صديق أورورا، المنصور بن أبي عامر فقد قال عنه الذهبي إنه كان من رجال الدهر، رأياً وحزماً ودهاء وشجاعة وإقداماً. أما ابن الأثير فوصفه بأنه كان عالمًا، محبًّا للعلماء، يكثر مجالستهم ويناظرهم. وكان حكيماً، يعمل دوماً إلى وقت متأخر من الليل، حتى أن أحد خدمه واسمه “شعلة” قال له مرة “قد أفرط مولانا في السهر. وبدنه يحتاج إلى أكثر من هذا النوم”. فقال المنصور “يا شعلة، الملك لا ينام إذا نامت الرعية. ولو استوفيت نومي، لما كان في دور هذا البلد عينٌ نائمة”.

حينها كانت لغتنا براحاً لا تحريم فيه، وكانت المعرفة مثلها في اتساع دائم. لكن أول ما يتخرب في الأمم، علاقتها مع لغاتها. فإن فقدت تلك العلاقة، فقدت ما تبقى بسهولة.

ونقلوا مرّة، عن الشيخ الدكتور فتحي جمعة أستاذ اللغويات بدار العلوم في القاهرة، أن مجموعة من العلماء الروس وضعوا نفايات صناعية خطرة في أماكن بعيدة، يُتوقع العثورعليها بعد خمس مئة سنة. وأرادوا أن يكتبوا عليها رسالة للأجيال المستقبلية، فبحثوا وسألوا خبراء اللغات ليعرفوا اللغة التي يمكن أن تبقى بعد قرون، فكتبوا رسالتهم باللغة العربية.

والسؤال البريء هنا، هل يمكن أن يحدث ما رواه فتحي جمعة، إذا ما استمر العرب حائرين بين التمسك بإحدى الحكمتين؛ حكمة المنصور أبي جعفر، أو حكمة المنصور ابن أبي عامر؟

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر