الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

حرية مسروقة

العديد من النساء يعجزن عن التغلب على الأسباب السيكولوجية للخجل المفرط المسمى “بالفوبيا الاجتماعية”، ويجدن أنفسهن في وضع صعب نفسيا، بسبب حالات أو ظروف لا تستحق الارتباك، أو ليست مدعاة للخجل.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/08/05، العدد: 10356، ص(21)]

عندما رأيت نساء بريطانيات يتجملن في وسائل المواصلات العامة أمام مرأى من الراكبين بمختلف أجناسهم وأعراقهم، احتقنت وجنتاي وارتبكتُ من شدة الخجل، لأنني لم أعتد على مثل هذا المنظر في المجتمع الذي تربيت فيه ونشأت.

ولكنني لم ألحظ أي حمرة للخجل على وجوه النساء الكثيرات اللاتي شاهدتهن يفتحن حقائبهن اليدوية، ويحوّلن القطار أو الحافلة إلى قاعات تجميل، دون الاكتراث بالأعين التي تتلصص النظر إليهن، ربما إعجابا بجمالهن أو تعجّبا من سلوكهن.

وقد يكون في بعض النظرات الكثير من المقت والامتعاض من تصرفهن، ولكن في المرات العديدة التي شهدتها لا أحد تجرّأ على التفوّه بكلمة واحدة تهين امرأة أو تحط من كرامتها.

وفي خضم الغليان الداخلي الدائر في نفوس أعداء حرية المرأة، تواصل الإنكليزيات التجمل غير مهتمات بما يجري حولهن، وربما لم يتبادر إلى أذهانهن قطّ أن ممارسة حريتهن الشخصية ستكون مبعث قلق لغيرهن.

وقد ذكرني هذا بمشهد مشابه ونادر كنت حاضرة عليه في قطار امتطيته بتونس العاصمة، حين تعرضت فتاة للعنف اللفظي والسب والشتم من بعض الركاب، لمجرّد أنها تجرّأت على وضع أحمر الشفاه على شفتيها.

وقتها تحولت عربة القطار إلى دار للإفتاء، تنوعت فيها وتعددت فتاوى البعض من أصحاب اللحى والمدعين في الدين معرفة، بأن تلك الفتاة أبدت زينتها وأخلّت بالحياء العام، ولم تحترم الأعراف الدينية والاجتماعية وهي تستحق العقاب، ونعتوها بأبشع النعوت المهينة لكرامتها ولجنسها، وهي متسمرة في مكانها تنتظر قدوم أول محطة على مضض، لتنزل مخلفة وراءها معركة تحليل وتحريم، ونقاشا عقيما خلاصته إعادة المرأة إلى عصر الحريم.

وبعد أن عشت الموقفين استحضرت صيحة شكسبير “أيها الخجل أين حمرتك؟” ولكن من يجب عليه أن يخجل؟ الإنكليزيات اللاتي يعتبرن التجمّل في الأماكن العامة من الأمور الطبيعة؟ أم الفتاة التونسية التي حاولت أن تسرق لحظة من حريتها وتفعل ما جال في خاطرها؟ أم من نصبوا أنفسهم أولياء على النساء وحراسا للأخلاق العامة، فتجاوزوا حدود حريتهم الشخصية لينتهكوا حقوق غيرهم؟

في الحقيقة المسألة أكبر من أن ينظر إليها من جانب واحد ومعتّم، وتقف عند حدود مطالبة الإنكليزيات أو الفتاة التونسية بالاحتشام في مواقف لا تستدعي الاحتشام بالنسبة إليهن، كما أن سلوكهن لم يلحق أي ضرر لا مادي ولا معنوي بغيرهن.

وطرح المسألة ليس لغاية إثارة حفيظة من جعلوا من الحشمة فرضا على المرأة دون الرجل، من أجل تجريدها من أبسط حقوقها المشروعة، حتى تكون دوما تحت السلطة المطلقة للرجل، بل الهدف منها توعية بعض الأسر التي عوض أن تربي الفتاة منذ الصغر على الثقة بالنفس تزرع فيها عاهة “الخجل” المستدامة التي تمنعها عند الكبر من الاندماج بشكل فعال في المجتمع، فتعجز على أن تمثل هي ذاتها في جميع تصرفاتها وتختار ما يناسبها بعيدا عن النظرة النمطية التي تقولبها وفق ما يريده المجتمع الذكوري.

والمأساة الكبرى أن هناك العديد من النساء يعجزن عن التغلب على الأسباب السيكولوجية للخجل المفرط المسمى “بالفوبيا الاجتماعية”، ويجدن أنفسهن في وضع صعب نفسيا، بسبب حالات أو ظروف لا تستحق الارتباك، أو ليست مدعاة للخجل.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر