الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

'أواكس' وإسعاف لإنقاذ الاتحاد الأوروبي من العنصرية

في بريطانيا ودول أوروبية أخرى، بدت تطفو كلمة {بريكست} لتصل إلى أسماع اللاجئين والمهاجرين، كمختصر للرغبة في إبعادهم وخروجهم من بلدان المأوى والإقامة والمخاوف قائمة من اتساع الأقلية ودورها المناهض للسلم داخل أوروبا.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/08/06، العدد: 10357، ص(8)]

لا تنفك أجراس الإنذار تقرع، بصوت خفيض ربما، لكنها دائما تنبهنا للمخاطر القادمة، وتجاهلنا لها أفرادا وجماعات ومؤسسات ومنظمات وحكومات ودولا، يزيدها ويفاقمها إلى أن تصل حدودها القصوى، عندها يبدأ التسكيت بالعنف بعد أن فقدنا خاصية الاستماع والإنصات جيدا لنمو المستقبل في تربة الحاضر؛ قد تحمل لنا بذورا جهنمية وحينها نكون وفرنا ملاذا ومناخا ملائما لتنامي الطفيليات التي ستأتي على كل مصادر الحياة، وتجعل من معالجات الإصلاح، لاحقا، عبثا ودون جدوى؛ وربما تكون بذورا صالحة لزراعة أجيال متقدمة، لكننا أهملناها ولم نوفر لها الحماية والرعاية لتطرح ثمارها الواعدة.

من تجربتنا وحياتنا وما تعرضت له بلداننا، توفرت لنا قرون استشعار للمخاطر، إنذار مبكر “أواكس” لخلايا الإرهاب المتنوع ومعرفة دقيقة بتوقيتات تلقيح خلايا الأزمات وهبوب غبار الطلع حتى من خلف الأبواب الموصدة والأسيجة المحكمة للصناع أو للمزارعين المتنعمين بمراكز القرار السياسي، ومن خلفهم طاقم من الباحثين والمنتجين والمستثمرين والمندوبين والسفراء الذين يعدون ويقدمون الطبخات لشعوب من المستهلكين.

دول الاتحاد الأوروبي، تعاملت مع نتائج الاستفتاء على خروج بريطانيا، كما لو كانت إزاحة لكمية ماء فائضة على سطح خزان كبير مملوء وغير مغلق، فانتبهت إلى ضرورة إحكام السيطرة عليه، لتلافي الغبار أو ما يكدر صفو المياه أو تعرضها للرياح العاتية وتوقعات أن تسبب تصدعا أو قلقا لاستقرار الخزان برمته.

فحوصات الواقع لما بعد الاستفتاء بينت أن الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي بمثابة ثقب في أسفل خزان الماء وأن ما ترشح منه لا يستهان به، إذا تعاطينا معه وفق النظرة الاقتصادية لتداول رأس المال وتراكم أرباح السوق والبورصات العالمية والتجارة طويلة النفس “قطرة الماء المتوالية ودون انقطاع، تملأ البراميل باستمرار”، وهي ذاتها تفرغ الخزان من محتواه في حالة الغفلة واستمرار الهدر وغياب التحضير بالبدائل أو التغيير أو التأمل لابتكار المعالجات، وتقليل الخسائر، ومراقبة الخطوط البيانية ومقارنتها لإعادة تمويل فرص الاتحاد من خلال ثقة الشعوب بنضج السياسة، ومدى تأثيرها الإيجابي على الاقتصاد بشكل عام، وليس تحديدا اقتصاد الشركات الكبرى المستفيد الأكبر من قوانين واتفاقيات التجارة؛ على الرغم من أن هذه الشركات توفر فرص العمل للآلاف وربما الملايين عند حساب تحريك سوق العمل.

الشرطة البريطانية، وفق إحصاءاتها، وثقت أكثر من 1200 حالة اعتداء عنصري بعد أيام فقط من الاستفتاء، في حين وثقت الجمعيات المعنية 3 أضعاف الرقم المعلن من الشرطة؛ شملت اعتداءات لفظية مباشرة واعتداءات جسدية محدودة؛ وتوجهت نحو الأجانب عموما حتى من بين الأوروبيين ذاتهم ومعظمهم من أوروبا الشرقية بما يمكن أن نسميه “إرهاب اللكنة”، لأن نطقهم للإنكليزية مختلف؛ النسبة الأكبر كانت ضد المحجبات المسلمات لسهولة التعرف على هويتهن الدينية من خلال الأزياء.

تتردد كلمات مثل “غادروا بلادنا” أو “نحن صوّتنا لخروجكم من بلادنا”، وطبعا هذا لا يعني أن كل من صوت لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي هو عنصري؛ والاستفتاء من نتائجه التشجيع على العنصرية وبمساعدة الإعلام الذي يتقاسم الاهتمام بالمال أولاً والتوجهات ثانيا كما في حالة دونالد ترامب وصعود تياره الشعبوي المناهض للهجرة، وكذلك أحزاب اليمين المتطرف التي حصدت التأييد في فرنسا وألمانيا واستغلالها ما ترشح من ثقب الاستفتاء البريطاني للترويج إلى برامجها الانتخابية.

الخطورة تكمن في التصرفات الفردية الحمقاء أو تبادل ردود الفعل على الهجمات الإرهابية والاتكاء على دماء الضحايا الأبرياء وتنفيذ جرائم يراد منها إما الانتقام وإما تأجيج الصراعات العنصرية.

عدم تقبل الآخر ورفض التعايش؛ قطرات من نزيف يتطلب إسعافات فورية من الحكومات الأوروبية والحكومة البريطانية خصوصا، ابتداء من شجبها واستنكارها، إلى تدخل البرلمان لوضع حد لتفشي صوت الأقلية؛ وهنا مصطلح الأقلية يكون مفضلاً وفي مكانه المناسب من التصنيف، لأن المجتمعات لا ينبغي لها أن تتعامل مع النسب العددية للقوميات أو الأديان أو الطوائف والإثنيات كأقليات، إنما كمواطنين يتمتعون بالمساواة أمام العدالة وتوزيع الحقوق والواجبات، وفي ذلك من الحقيقة والإنصاف ما يبرر تراجع وتفكك مجتمعاتنا، وهي إلى وقت قريب كانت مؤمنة ومتيقنة أنه لا توجد أقلية أو أكثرية، بل إننا أكثرية إذا توحدنا، وكلنا أقلية إذا تفرقنا.

في بريطانيا ودول أوروبية أخرى، بدت تطفو كلمة “بريكست” لتصل إلى أسماع اللاجئين والمهاجرين، كمختصر للرغبة في إبعادهم وخروجهم من بلدان المأوى والإقامة؛ والمخاوف قائمة من اتساع الأقلية ودورها المناهض للسلم والإخاء داخل الاتحاد الأوروبي.

التأثير يشمل أيضا ويقفز إلى عدم ثقة المواطن الأوروبي باستعجال الرئيس الأميركي باراك أوباما ومسايرته من قادة دول الاتحاد لإكمال المفاوضات بين ضفتي الأطلسي وتوقيع اتفاق التجارة الحرة بين أميركا والاتحاد الأوروبي، قبل نهاية فترته الرئاسية للبيت الأبيض نهاية العام الجاري.

المواطن أو المستهلك في أوروبا لا يشعر بالرضا لانفراط شخصية الوطن، رغم الفوائد المتحققة من الوحدة الاستثنائية بين الدول الأوروبية عبر الاتحاد؛ فهو أي المستهلك المواطن يعتبر التعاون التجاري مع أميركا خرقا لمصالحه في الغذاء والدواء والملبس وتفاصيل تبادل المنافع والإنتاج، ويتخوف من معايير الجودة ومقاييس الشفافية التي قد تترافق مع رفع القيود الجمركية.

الحكومات والدول لا تدقق في الطبقات الأقل من المتوسطة والفقيرة عند إبرامها الاتفاقيات الإستراتيجية في التجارة أو السياسة أو الأمن، لكن الفئات المذكورة تسبب معظم الإشكاليات التي تؤرق زعماء وقادة الدول الديمقراطية، ومنها تتكون حواضن العنف وينتمي إليها غالبا أبناء الجاليات المهاجرة، وتجد فيهم أحزاب اليمين عينات جاهزة للعرض كنماذج واقعية لا تحتاج إلا القليل من ماكياج التحريض واستفزاز المشاعر.

مشاعر الكراهية في الفلسفة تنتمي بكل الأحوال إلى عناصر الاهتمام بالآخر، وتظل تحافظ على مشتركات العيش حتى تحت سقف المناكفات والتعبير عن الاشمئزاز أحيانا أو الغضب أو الضجر؛ لكن الخط الفاصل يبدأ عندما لا يعود هناك ما يربط بين الطرفين؛ وهو الحدود المصيرية وفيها تحدث المجازر والإبادات، ويتم كل شيء تحت عناوين الواجب أو أداء المهمات.

نواة المجتمعات هي حماية المواطن من عبث المهمات الخارجية، لأن انتقالها إلى مهمات لمجموعات داخلية يعني ترشيح عدم الثقة بلقمة العيش المشتركة وصولا إلى هستيريا الحروب الأهلية.

حصل هذا في تجربة الحرب الإيرانية ضد العراق، واستمرت بعد وقف إطلاق النار وفترة الحصار حيث اتسعت حرب التجويع وغزو بضائع إيران الفاسدة وتزوير مكونات المنتجات ومواصفاتها المسرطنة وحرب البذور وحرب تقاوي البطاطا غير الصالحة للإنبات، وحرب الفئران وترويج العملات الأجنبية المزورة وشراء الذمم بما يتعلق بالصحة البشرية والحيوانية والنباتية، كلها كانت موجات من جرائم الكراهية إلى ذرائع الاحتلال وما بعده. يتداعى عالمنا عندما يطرد الناس من أوطانهم، ويتداعى أكثر عندما يطردون حتى من أوطانهم البديلة.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر