الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

'اختبار بيتا' يقدم العنف والجريمة بوصفهما لعبة ممتعة

  • لا تكاد الشخصيات التي تشارك في أشد ألعاب الفيديو حشدا للتأثيرات السمعية والبصرية والقدرة الفائقة على الإيهام، تغوص في ذلك الواقع الافتراضي حتى تشعر أنها صارت جزءا منه وطرفا أساسيا في ما يجري، وهو إيهام يتفاقم مخلفا وراءه شخصيات غير قادرة على إيجاد توازن منطقي بين ما هو واقعي وما هو افتراضي، وفي كل الأحوال هو انتقال ممتع ومغر على المضي عميقا في تلك اللعبة الخيالية التي ينسجها فيلم “اختبار بيتا” للمخرج نيكولاس جيني، وهو فيلمه الأحدث الذي يعرض في الصالات الآن.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/08/08، العدد: 10359، ص(16)]

إدماج الخيالي بالواقعي

على خلفية كوارث وأحداث مهمة عصفت بالعالم تبدأ وقائع فيلم “اختبار بيتا” للمخرج نيكولاس جيني (إنتاج 2016)، في الهبوط على القمر، حرب فيتنام، حروب أميركا المتعددة، أحداث سبتمبر وصولا إلى لقطات سقوط تمثال صدام حسين إبّان الغزو الأميركي للعراق (2003)، كلها تتكاثف لتطلق المشاهد الأولى من الفيلم، والسؤال هنا، ماذا بعد كل هذا العنف؟ وما هو المشهد الإنساني الذي يلي ذلك؟

باختصار شديد هناك دائما شاشة التلفزيون تقدم نجما اجتماعيا أميركيا مهما هو لينكيد (الممثل ليندين آشبي)، وهو ملياردير يدير شركة كبرى لإنتاج ألعاب الفيديو، وها هو يطل على مشاهديه داعيا إلى مجتمع أكثر عنفا، مجتمع مدجّج بالسلاح وأن خططه القادمة هي كيفية إدماج ألعاب الفيديو في الحياة الحقيقية، فبدل أن تقتل شخصا في الحقيقة يمكنك قتل شبيه له في الخيال والوهم.

ووصولا إلى هذه المرحلة الخطيرة من إدماج ما هو خيالي بما هو واقعي، لا بد من إجراء أولى التجارب، وهكذا يتم اختيار مطور الألعاب الشهير كريد (الممثل مانو بينيت) ليكون هو من سيتولى المهمة، ويتم اختيار لاعب فيديو بالصدفة، وهو الشاب ماكس (الممثل لارينز تيت) الذي سيجد نفسه أمام خيارين، إما الاستمرار في اللعب، وبالتالي استخدام كريد لارتكاب شتّى الجرائم بسبب زرع خلية في عنقه تربطه بجهاز تحكم اللعب ويخضع للأوامر التي سيصدرها من تلة القيادة، وإما التخلي عن المشاركة في الجريمة، وبالتالي سيخسر حياته وحياة حبيبته.

دراما فيلمية متصاعدة يتداخل فيها الواقعي بالافتراضي، وفي داخل أهم شخصيتين في الفيلم وهما ماكس وكريد إحساس بصراع مرير، كريد كان قد تمرّد على الملياردير الجشع رافضا مشروعه العنفي، وماكس رافضا المضي في مشاهد القتل، لكن كليهما خاضع لقوة أكبر منه تبتزه، وهي أرضية محكمة في البناء الدرامي تم استخدامها بمهارة في توالي مسار الأحداث وتصعيدها، وصولا إلى لحظة تمرّد ماكس وانتزاع الخلية التي تم زرعها في عنق كريد.

وعلى صعيد السرد والزمن الفيلمي نلاحظ تفوق المعالجة الفيلمية في صنع زمنين فيلميين، هما الزمن الذي تعيشه الشخصيات من خلال بيئتها الواقعية وزمن افتراضي هو الذي سيبقى لها إما القدرة على التحكم من قبل ماكس وإما الإذعان للأوامر من قبل كريد، وهو سرد فيلمي تم نسجه بعناية بغرض أن تتكامل بنية افتراضية وهمية من جهة مع واقعية تريد التمرد على “ماكينة” الشر التي يمثلها لينكيد هو وعصابته من أفراد الكومندوز الأشرار، من جهة ثانية. العنف والجريمة يتم صنعهما على أنهما نوع من اللعب وفق رؤية لينكيد، وبالتالي فإن تقبلهما كنوع من اللهو المجرّد حتى لو وصلا إلى عملية الإجهاز على أبرياء، مثل إجبار كريد على إنقاذ قاتل هجم على إحدى المدارس، وفيه مشاهد مؤثرة من قبيل بكاء ماكس على ما يجري وهو مجبر على أن يكون طرفا فيه.

فيلم خيال علمي يبنى على ثيمة الجريمة والعنف والقتل وتسويغها وعدها نوعا من اللعب المجرد

لا أحد يوقف هذا العبث، فلينكيد بأمواله وعصابته الإجرامية يصول ويجول في الولايات المتحدة لا يوقفه أحد، وهو شخصية لامعة تحتفي بها الشاشات بينما أخبار الجرائم تتوالى دون أن يتهم أحد بأن لينكيد طرف في ما يجري.

التنوع المكاني كان عنصرا إضافيا ومميزا في الفيلم، حيث كان المزج بين المكان الافتراضي كما في مشاهد البنك والمدرسة ومسكن كريد وغيرها مع نظيرتها الواقعية، فيتم الانتقال السلس في كل مرة ما بين الأماكن وتحوّل أحدها إلى الآخر، وهي ميزة أخرى منحت المشاهد متعة في تتبّع مسار الأحداث، ثم إن هناك حالة من الاغتراب تعيشها عموم الشخصيات مكانيا، فكل منها يعيش اضطرابا أو هلعا ممّا يجري وتوقع المزيد من العنف والمزيد من ابتكارات لينكيد التي ستجلب معها شرورا جديدة.

هناك استخدام مقابل ومتنوع للمونتاج في الانتقال بين الأماكن والأزمنة المختلفة، إضافة إلى الجرأة التي كتب عنها بعض النقاد بخصوص إصرار المخرج، وهو نفسه مشارك في الإنتاج وكتابة السيناريو، على استخدام أسلوب اللقطات الطويلة دونما انقطاع، ومنها لقطة طولها وصل إلى حوالي ثماني دقائق.

وما عدا ذلك، فإن المعالجة الفيلمية لقصة إدماج ألعاب الفيديو مع الحياة الحقيقية ليست جديدة، فقد سبق وكتبنا مؤخرا في هذه الصفحة عن فيلم يحمل ثيمة مشابهة، وهو فيلم “النداء” للمخرج تشارلز باركر، حيث ينحو المنحى ذاته تقريبا على صعيد المعالجة الفيلمية، لكن الفارق بينهما أن هذا الفيلم يبنى على ثيمة الجريمة والعنف وتسويغها وعدّها نوعا من اللعب المجرد.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر