الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

الاحد 28 مايو/ايار 2017، العدد: 10646

إسلام بحيري.. باحث خذله الجميع من رأس الدولة إلى المثقفين

إسلام بحيري لم يمس العقيدة ولم يشكك في أركان الدين، ولكنه وضع مرايا بالقرب من وجوه تخفي الأضواء قبحها، ثم قرب المرايا فانزاحت الأقنعة وبدت الوجوه خالية من الرحمة لا تتورع عن التكفير، وتهين عقائد الآخرين.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/08/09، العدد: 10360، ص(8)]

لا يجدي إصلاح بعد قرون من الموات، هذا ركام تلزمه صدمة، هزة زلزالية، ظاهرة كونية تنسف طبقات متكلسة وتفككها إلى عناصرها الأولى، ثم يأتي الفرز للإبقاء على ما ينفع الناس، ما يتسق مع فقه الواقع وآدمية الإنسان. إعادة النظر في الفقه البشري لا تبخس السابقين ولكنها تضع اجتهاداتهم في إطارها التاريخي.

لم ينجُ مجدّدٌ من اتهامات، ولو كان مشهودا له بالنزاهة وقادما من صفوف الذين يستكثرون عليه دعوته العقلانية. ومن سوء حظ إسلام بحيري أنه حين قرأ جانبا من هذا التراث لم يحسن قراءة المشهد المصري الحالي، وصدّق رئيس الدولة في إطلاق سراب اسمه تجديد الخطاب الديني. لم يكن إسلام بحيري أول الضحايا، فالشيخ محمد الغزالي الذي أختلف مع البعض من آرائه استهدفته سهام الرعونة، وسجل في كتابه “السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث” جانبا مما أصابه، بعد اجتهاده في التفرقة بين علم الدراية وعلم الرواية، وتشديده على أن “السلسلة الذهبية لا تشفع لمتن متهافت”، واحتكامه إلى العقل في انتقاد مرويات وردت في الصحاح، إلا أنها “تمس الصميم من ديننا”، وأدهشه أن يروي أحد الخطباء حديث “لا يسأل الرجل فيم ضرب امرأته”. احتج الخطيب بأنه روى “حديثا صحيحا”، فقال له الغزالي غاضبا “إنك باسم الإسلام تفتن الناس عنه بهذه الأحاديث”، وإن هذا المعنى يرفضه الدين. وكان الغزالي حصيفا؛ فلم ينكر هذه “الأحاديث”، وإنما استنكر معنى غير إنساني تدعو إليه وترسخه.

كتب الغزالي أنه يستهدف بهذا الكتاب “تنقية السنة مما يشوبها”، وأبدى آلامه إذ البعض شتمه “لكن الشتم الذي أوجعني اتهام البعض لي بأني أخاصم السنة النبوية”. فماذا فعل إسلام بحيري؟

إسلام بحيري لم يمس العقيدة ولم يشكك في أركان الدين، ولكنه وضع مرايا بالقرب من وجوه تخفي الأضواء والابتسامات البلاستيكية قبحها، ثم قرب المرايا فانزاحت الأقنعة، وبدت الوجوه على حقيقتها تخلو من الرحمة، لا تتورع عن التكفير، وتهين عقائد الآخرين، وتتقرب إلى الله بالحض على الطائفية، وتدعو إلى العنف باسم الدين، متسلحة بمرويات لا سند لها من الكتاب وصحيح السنة، وإنما من مصادر ثانوية، كالأحاديث الضعيفة، وما ينسب إلى السابقين من أقوال ومواقف، يؤخذ منها ويردّ. ولا يصح الاحتجاج بموقف أو اجتهاد بشري على الدين. البعض من تلك الممارسات والاجتهادات كان متسقا مع روح عصرها ولا يثير الغرابة، قبل تطور الأخلاق الإنسانية، وسموها على تقاليد تنسب إلى الماضي، أما استدعاؤها ومحاولات بث الروح فيها، فهو ضرب من الجنون، وانتهاك لمواثيق حقوق الإنسان، مثل الانقضاض على “عدو” بهدف استرقاق النساء، وجلب الأسرى وبيعهم لفك ضائقة اقتصادية. أعلن بحيري ما يردده غيره من عدم قداسة التراث البشري، وساعده التلفزيون على فضح الكثير من الزيف، فرفع شيخ الأزهر أحمد الطيب دعوى قضائية لوقف برنامج “مع إسلام”، بحجة أنه “اعتاد التطاول والهجوم على الشريعة الإسلامية والتراث الإسلامي…”.

ظهر إسلام بحيري من خارج السياقين الفقهي والثقافي. أطل من التلفزيون فاختصر مقدمات كثيرة، وتسلح بأدوات عصرية في الانتقاء والتحليل، وقدم نقدا شعبويا، استعراضيا غير منهجي أحيانا يعوزه وقار العلماء. ربط فيه بين خطابين؛ الأول وثقته كتب الفقه والحديث، والثاني مقاطع فيديو حديثة. مدّ الخطوط بينهما لكي يكتشف المشاهد من أين تنبع روح البغضاء؟ ويرى أن من يزهو بهذا الجهل شيوخ رسميون وهواة يتمتعون بشهرة تفوق الرسميين، ولهم تأثير طاغ بحكم اتصالهم بقواعد جماهيرية محبطة تتعطش لأي نصر، ولكن خطاب الكراهية سيدفع المنصت إلى إحدى نهايتين: أن يغار على ما يدعي الشيخ أنه الدين؛ فيهب مدافعا عنه بقتل كاتب أو مواطن شيعي أو وزير الأوقاف الأسبق حسين الذهبي (1977). وقد تحثه فطرته على النفور من دين لا مكان فيه للتراحم وينشغل بالحرب على العالم.

ليس ياسر برهامي وأبوإسحق الحويني وعبدالرحمن البر وحدهم الطائفيين: في 27 يوليو 2016 صدر عدد خاص من مجلة “المصور” الرسمية بعنوان “الفتنة” في رفض الروح الطائفية، وفيه كتب وكيل الأزهر عباس شومان مقالا عنوانه “الدين والهوية الوطنية” قائلا إن الشريعة الإسلامية أقرت “حقوقا لغير المسلمين في ديار الإسلام، ويكفي من ذلك كفالتها حرية العقيدة”، وبذكاء تفادى التصريح بأن مصر “دار إسلام”، وتجاهل حرية ممارسة الشعائر، بعد أيام من اقتحام مسلمين طيبين في محافظة المنيا لبيت زعموا أن صاحبه حوله إلى كنيسة يذكر فيها اسم الله، في صمت لا يخدش إيمان مسلم، ولا يستخدم مكبر صوت ينقل الصلاة إلى الشارع، فأحرقوا البيت الذي قالوا إنه مشروع كنيسة وثلاثة منازل لأشقاء مالكه. ثم تنتصر المجالس العرفية بطابعها الطائفي للمعتدي. وبدلا من فرض هيبة “دولة” القانون، تجاهل وكيل الأزهر جريمة العدوان، وأشاد بكيان قبلي اسمه “بيت العائلة” يتبناه شيخ الأزهر. شومان خطب يوم 30 نوفمبر 2012 بعد الإعلان الدكتاتوري قائلا إن محمد مرسي “ولي الله. يحق له أن يتولى القضاء بنفسه.. من لم يعجبه شرع الله فليبحث له عن شرع آخر”.

في العدد نفسه من مجلة “المصور” قال وزير الأوقاف مختار جمعة إنه أصدر كتابا ترجم إلى 12 لغة “وقلنا فيه رأينا بوضوح وهو أن بناء الكنائس متروك لتقدير الحاكم”، في استبعاد لاحتمال أن يكون الحاكم مسيحيا، وتأكيد على أن المسيحيين رعايا محكومون بمزاج حاكم لا بقانون مدني ينظم بناء دور العبادة للكافة، لا لمن يراهم المسؤولون الطائفيون ورجال الدين الطائفيون مجرد أقلية. في هذا المناخ الطائفي اتهم بحيري بازدراء الأديان وعاقبته محكمة بالسجن خمس سنوات، ثم خفف الحكم في ديسمبر 2015 إلى سنة. ويبدو أن ممثلي النيابة والقضاء يشبهون رجال الدين الطائفيين في فقر الثقافة، ولا يعرفون اجتهادات الشيخ محمد عبده وأحمد صبحي منصور وجمال البنا ومحمود أبورية.

من المساخر ألا تقتصر حيثيات حبس الباحث على برنامجه التلفزيوني، وإنما تتلصص على آرائه الفيسبوكية. وكانت أمام القضاء فرصة لتبرئة إسلام بحيري، ولكن محكمة النقض أيدت قبل أيام (31 يوليو) الحكم بحبسه سنة، ليصير الحكم باتا، ويدفع صاحبه ثمن عدم انتمائه إلى قبيلة ثقافية تدافع عنه، ولو بندوة ترفع فيها لافتة “لا لوصاية القبور”.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر