الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

مواطنون بلا صحافة استقصائية

العالم يحتفي بالصحافة الاستقصائية ويمنحها الجوائز الرفيعة سنويا، الصحافيون الاستقصائيون من حول العالم قدموا حصادا صحافيا وافرا وفضحوا مؤسسات فاسدة وكانوا سببا مباشرا في سنّ قوانين.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/08/09، العدد: 10360، ص(18)]

في كل يوم تقريبا يجري تداول قصص ووقائع تتعلق بمسار وسلوك منحرف لسياسيين كثر في العالم العربي، ظواهر فساد ونهب للمال العام وإثراء غير مشروع وصراع مصالح وصولا إلى عمليات الانتقام والثأر الشخصي.

قصص تشغل العقل الجمعي، وتتسبب في غالب الأحيان في انقسامات اجتماعية حادّة، بين من هم مع ومن هم ضد وما بينهما ثمّ أناس تقطعت بهم سبُل الحقيقة فكل طرف يتشبث بأدلة ويُقسم بأغلظ الأيمان أنه على حق وصواب.

ساعتها تجد الحكومة الرشيدة نفسها مضطرة إلى الإعلان رسميا عن تشكل لجنة أو لجان للتحقيق في الاتهامات لا لشيء سوى امتصاص النقمة الشعبية على فساد السياسيين ونهب المال العام، ثم يعود المواطن الصالح إلى عمله وشؤون حياته وفي نفسه أمل وتفاؤل كاذب بأن القوم سيأتونه بالأخبار من لم يُزوَّدِ وستظهر الحقيقة كاملة، لكن هيهات، فلا شيء سيظهر والتحقيقات سيجري طمرها من خلال شبكات المصالح والرشى الضخمة وسيبقى الحال على ما هو عليه.

بالأمس هاج المجتمع العراقي وماج على وقع اتهامات فظيعة وجهها وزير الدفاع العراقي ضد خصومه في جلسة استجواب تحت قبّة البرلمان، فتح الرجل النار على الكثيرين باتهامات لم يسبق لها مثيل بسرقة المال العام والتوسط والتربّح غير المشروع وقيل بعدها إن اللجان قد شكلت للتحقيق في ما أورده الوزير من وقائع وهي لجان يشعر المواطن العراقي أنها ليست إلا امتدادا للعشرات من اللجان التحقيقية التي تم تشكيلها سابقا للكشف عن العشرات من الفضائح والسرقات ولكن لم يظهر منها شيء. هنا ستشعر بالحاجة الماسّة والفراغ الهائل لدور الصحافة الاستقصائية المغيَّبَة كليا عن مشاهد السرقة والفساد والرشوة والمحسوبية والإثراء غير المشروع والمشاريع الوهمية، فلو أخذت الصحافة الاستقصائية أدوارها في مجتمعات مبتلاة بالفساد والمحاصصة والمحسوبية لافتضحت العشرات من الحقائق المخفية.

العالم يحتفي بالصحافة الاستقصائية ويمنحها الجوائز الرفيعة سنويا، الصحافيون الاستقصائيون من حول العالم قدموا حصادا صحافيا وافرا وفضحوا مؤسسات فاسدة وكانوا سببا مباشرا في سنّ قوانين، نذكر منهم الصحافي الاستقصائي الشهير تشالز تشامبرز الذي فضح قبل أكثر من 150 جريمة للسلطات الأميركية بالتخلص من أشخاص بزجّهم في مستشفيات الأمراض العقلية فيما هم أصحاء وحذا حذوه العشرات من الصحافيين الاستقصائيين من حول العالم إلا في عالمنا العربي فإنها صحافة شاحبة وخائفة وتجري محاربتها ومنعها من الوصول إلى المعلومات لأنها مخيفة حقّا وقادرة على فضح جرائم كبرى يرتكبها ساسة وسماسرة سلطة ووسطاء ومنتفعون وأشخاص مافيا وترتكبها شركات مقاولات ومستوردو أغذية ملوثة وشبه فاسدة وغيره كثير.

وعودا على قصة وزير الدفاع العراقي فلو توصلت الصحافة الاستقصائية إلى كلا الفريقين، الوزير وخصومه واستطاعت الوصول إلى المعلومات بمرونة وبلا عوائق لأغنت عن الكثير من لجان التحقيـق ولفتحت أبوابا ليس من السهل أن تغلق عن عمليات فساد كبرى ونهب منظّم للمال العام وهي قصة طويلة تمتد وتتواصل فصولا منذ العام 2003 حتـى اليوم، أبـطالها مسؤولون من عتاة اللصوص ممن اعتدوا وأثروا من المال العام فيما الصحافة الاستقصائية غافلة عنهم ومحاكم النشر والمـقاضاة أداة ترويع وتهديد لمـنع ذاك النوع الفعـال من أنـواع العمل الصحافي.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر