الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

الثلاثاء 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10819

فاصل إعلاني

أستمتع بالإعلانات العربية لأنها غير مبدعة وتذكرني بإعلانات زمن الطفولة في العراق. صريحة وفجة الإعلانات عندنا.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/08/09، العدد: 10360، ص(24)]

في رمضان الفائت قررت الاندماج مع الأمة العربية والإسلامية من باب تعزيز الانتماء إلى حشد الصائمين في الشهر الفضيل. كان اندماجا أقرب إلى الانصهار. التماهي مع الأمة يعني الاستغراق في منتجها الثقافي يوم لا تنفع مقالات جورج أورويل ولا أطروحات ديفيد هيوم.

إحدى علامات الانتماء احتساء الشوربة كل يوم في رمضان. رغم معيشتي في المهجر قرابة الأربعين عاما فلا أزال لم أكتسب الطبع الأوروبي في احتساء الشوربة بشكل يومي أو على الأقل بضع مرات في الأسبوع. لا تزال الشوربة بالنسبة إلي شيئا يخص المريض أولا وعادة تخص رمضان ثانيا.

في بلدي الأصلي حين تقول صنعنا شوربة أمس يقول الناس “لا حول ولا قوة إلا بالله. وماذا قال الطبيب؟”، وفي شهر رمضان لا يعلقون على الخبر لأن طبخ الشوربة في الشهر الكريم يعد من نافلة القول.

المهم صرت آكل شوربة، والأمر الأهم أني صرت أتفرج على مسلسلات عربية من باب الاستغراق في المشهد الثقافي للشهر. لكن الذي تتفرج عليه صدقا هو فواصل إعلانية تغمر اللاوعي، وينتهي الشهر وأنت عارف بشكل موسوعي ماركات زيت الشعر وشاي البجعة.

أما مشاهد المسلسل نفسه فأقضيها مطرقا ناظرا إلى الأرض مستغرقا في تفاصيل سجادة غرفة الجلوس في انتظار الفاصل الإعلاني التالي، وهو انتظار لا يطول. وهكذا خرجت بحصيلة واسعة ومعرفة كاملة بكل ما يباع في السوق في دبي مثلا.

أستمتع بالإعلانات العربية لأنها غير مبدعة وتذكرني بإعلانات زمن الطفولة في العراق. صريحة وفجة الإعلانات عندنا. إعلانات مسحوق الغسيل تظهر فيها امرأة تتحسر وتتنهد من جراء وساخة الهدوم ثم تغسلها فتبدو ناصعة وجديدة ثم تنظر المرأة إلى الكاميرا وتغمز بعينها غمزة معابثة وتقول “تايد وبس”.

في إعلانات كهذه تعرف أين أنت وتعرف المنتج المعلن عنه. كانت الإعلانات في أوروبا كهذه بسيطة ومباشرة ومسلية، إلى أن جاء الإبداع. الإبداع هذا جعلنا لا نعرف ما هو المنتج الذي يروج له. يعني مصمم الإعلان المبدع يريد أن يقول شيئا عن ماركة أحذية فلا يجد ما يعبر فيه عن جودة الأحذية غير مشهد دبين (نعم اثنين من الدببة) يقفان عند شاطئ نهر ويلطم أحدهما الآخر بسمكة. وينتهي المشهد بفوز أحدهما باللطمة القاضية. أما عن علاقة هذا بالأحذية فله تفسير واحد هو الإبداع والابتعاد عن المألوف في الاعلان.

هناك إعلان رأيته أكثر من مئة مرة فيه رجلان نحيفان سخيفان يركضان ويحملان أشياء عجيبة ثم يجلسان ولا يقولان شيئا. رأيته أكثر من مئة مرة كما قلت ولا أزال لا أعرف لأي شيء يروج الإعلان، وما هو المنتج.

هذا جزء يسير من ويلات الإبداع والمخيلة الخلاقة. المخيلة الخلاقة في كل مكان حتى في تقسيم أسعار التذاكر وطريقة إبلاغنا بمواعيد قيام القطارات. ولا أملك سوى أن أبتهل إلى الله أن ينجينا من المبدعين ويبعد عنا ابتكاراتهم. آمين.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر