السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

داعش والحرية الدينية

  • ليس جديدا ولا مستغربا أن يضع التقرير السنوي للحرية الدينية الذي تعده الخارجية الأميركية، تنظيم داعش الإرهابي على رأس قائمة المنتهكين للحريات والعابثين بأرواح البشر، لكنّ المستغرب هو أن يساوي هذا التقرير، من حيث لا يدري، بين المنظمات الإرهابية والدول الأعضاء في المنظمة الدولية، والتي تخضع للنقد والمراقبة، رغم انتهاك الكثير منها للحريات الدينية.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/08/12، العدد: 10363، ص(13)]

داعش يتصدر قائمة الإرهاب بلا منافسين

اقتحم تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام هذا العام التقرير السنوي للحرية الدينية الذي تعده الخارجية الأميركية، ليس بوصفه “دولة” -كما يعلن عن نفسه- بل بوصفه تنظيما إرهابيا، جنبا إلى جنب مع جماعة بوكو حرام النيجيرية؛ وهو نهج جديد في هذا التقرير الذي دأبت الخارجية الأميركية على نشره منذ سنوات عدة، إذ ينقل مركز الثقل إلى المنظمات المتطرفة في العالم الإسلامي على حساب الدول، وإن كانت هذه الأخيرة لا تزال تحتل نفس المكان الذي كانت تحتله في التقارير السابقة، نظرا إلى توسع دائرة تحرك هذه المنظمات وتزايد أعدادها وأعمالها الوحشية.

اتهم التقرير تنظيم داعش بممارسة الإبادة الجماعية ضد الأقلية الإيزيدية والمسيحيين والشيعة، وغيرها من الجماعات المستضعفة، وحمله مسؤولية الأعمال الهمجية التي يقوم بها في المناطق التي يسيطر عليها مثل المجازر وعمليات تعذيب البشر واغتصابهم والجرائم الجنسية الأخرى بحق الأقليات الدينية والإثنية، وذلك خلال العام الماضي، ووضع تنظيمي داعش وبوكو حرام على رأس مقترفي جرائم الإبادة الجماعية والتمييز على أساس ديني.

وليس متوقعا أن يحتل تنظيم داعش موقعا أقل في تقرير مخصص لقضية “الحرية الدينية”، فهذا المفهوم لا مكان له في أدبيات التنظيم الذي نشأ على شكل ميليشيا مسلحة، مدعومة بأيديولوجيا متشددة تقتنص من الشريعة الإسلامية شذرات فقهية تبني عليها سلوكها. وكلمة ميليشيا ربما كانت الأكثر تعبيرا عن طبيعة هذا التنظيم المتطرف، ذلك أنه لا يكتفي فقط بممارسة الإبادة في حق المجموعات التي تحدث عنها تقرير الخارجية الأميركية، بل يمارس نفس السلوك تجاه أفراد الجماعات المسلحة المنافسة له على الأرض في العراق وسوريا، رغم أنها تتقاسم معه نفس الأيديولوجيا والنظرة إلى العالم وإلى الآخرين، والقراءة الشاذة المتطرفة للإسلام.

تنظيم داعش يستند إلى جهاز مفاهيمي يسمح له بخنق الحريات الدينية والقضاء على المخالفين

فقد قسم الناس إلى قسمين، مسلمين وكفارا، ثم قسم المسلمين إلى فسطاطين على حسب الموالاة له أو الخصومة معه، وهو تقسيم يناسب الأيديولوجيا التي يرتكز عليها، ولكن التقسيم الموجود فعلا هو بين المسلمين والمتطرفين.

يستند تنظيم داعش إلى جهاز مفاهيمي يسمح له بخنق الحريات الدينية والقضاء على المخالفين، ويتشكل من ركنين أساسيين هما التكفير والردة، يحوّلهما إلى سلاح فتاك في مواجهة جميع الذين لا يرون ما يرى، ويخضعهما للمزاج الفقهي لمتفقهين صغار يشرفون على ”المحاكم الشرعية” التي يقيمها في الأماكن الواقعة تحت نفوذه.

فبعد أن انفضّ عنه جميع “الفقهاء” الذين كانوا رموزا في تيار السلفية الجهادية، وكانوا يوفرون الغطاء الشرعي للجماعات المتطرفة، صار التنظيم يتكئ على شباب صغار يلتقطون من مؤلفات أولئك “الفقهاء” ما شذ منها لكي يؤسسوا مدونة فقهية همجية يطبقها في محاكمه الصورية الخاضعة للأمزجة، ويخطئون في اللغة كما يخطئون في التأويل. فقد حول التنظيم المناطق التي يسيطر عليها إلى ساحات شبيهة بتلك التي كان يسيطر عليها تنظيم الخمير الحمر في كمبوديا خلال السبعينات، فكما تشكل الخمير الحمر من مجموعات شيوعية صغيرة مسلحة ومتطرفة في كيان واحد، تشكل تنظيم داعش من جماعات متعددة قاسمها المشترك العنف والتطرف، فكان الأصل هو العنف الذي بحث عن أرضية يقف عليها فوجدها في الإسلام؛ فالأصل إن هو إلّا فائض العنف لدى تلك الجماعات، وما الإسلام إلّا قشرة خارجية تستر عورته.

بيد أن المشكلة التي تثار عند قراءة تقرير الخارجية الأميركية هي تلك المتعلقة بالتسوية التي يجريها ما بين الأنظمة الإسلامية ذات المشروعية وبين المنظمات الإرهابية، إذ لا شك أن الخلفية التي حكمت معدّي التقرير واحدة في الحالتين.

فالتقرير يرى أن الدين الإسلامي عامل مشترك بين الجميع، ولذلك من المسوّغ وضع الدول التي لديها شرعية دولية ومسؤوليات أمام المجتمع الدولي إلى جانب المنظمات الإرهابية التي تخلي ساحتها من أيّ مسؤولية على الإطلاق. وبهذه المنهجية يساوي التقرير من حيث لا يدري بين الدول، التي تقدم الحساب للمنظمات الدولية وتخضع للنقد والمراقبة، وبين الجماعات المتطرفة، التي توجد خارج المنظومة الدولية.

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر