الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

خذ مكانها لتعرف مكانتها

نشر الوعي الاجتماعي بقيمة المرأة وإعطائها مكانتها الحقيقية في المجتمعات الذكورية، لا يمكن أن يتحقق ما لم تكسر الصورة النمطية لربة البيت في البيئة الأولى التي يتربى فيها الطفل.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/08/12، العدد: 10363، ص(21)]

عبارات الثناء التي تُغدق على المرأة من زوجها أو أبنائها وتنهال عليها في المناسبات العائلية والإقليمية والدولية المخصصة للاحتفاء بها، يمكن أن تجعل الكثير من النساء يشعرن بالنشوة والسعادة، وتحفزهن على المزيد من البذل والتضحية والعطاء في سبيل إسعاد أسرهن وتحقيق الرخاء لمجتمعاتهن.

وهذا ليس بجديد على النساء اللاتي تجعلهن طبيعتهن السيكولوجية على استعداد دائم لأن يضحين بصحتهن من أجل المحيطين بهن، فيما يتقوقع أغلب الرجال على ذواتهم ولا يفكرون إلا في أنفسهم.

وفي المقابل فالتكريمات التي تنالها المرأة في حياتها معدودة، وأغلبها ليست سوى لحظات آنية وعابرة، من تاريخ حياتها الحافل بالإساءات إلى جنسها، والتي تمارس ضدها في الغالب في الإطار الأسري والمجتمعي على حدّ سواء.

ولذلك يبدو التناقض سافرا بين الشعارات البراقة التي ترفع حول الامتيازات التي تحققت لصالح المرأة عموما، وبين ما تواجهه النساء في المجتمعات الذكورية خصوصا من تمييز متجذر في منظومة القوانين والتشريعات والعادات والتقاليد، التي تجحف حقوقهن في أكثر من مجال، كالزواج والطلاق وحق حضانة الأطفال والميراث، وحتى حقهن في السفر وقيادة السيارة.

وهذا الاضطهاد متعدد الأطراف يمارس في العلن والخفاء، ويتكرس أكثر عندما تتعرض الآلاف من النساء للعنف وتمارس عليهن أبشع أشكال الظلم من دون أن يهز ذلك عروش الحكومات، وينضاف إلى ذلك فشل العدالة المكبلة بالموروث الثقافي المليء بالتحيز ضد الأنثى، في حماية حقوقهن وصيانة كرامتهن، وأحيانا تحولهن من ضحايا إلى متهمات.

ولمعاناة المرأة أكثر من وجه وأكثر من صورة قاتمة، إلا أن ردود الفعل ضدها لا تخرج من إطار الشعارات الجوفاء والوعود التي لا تتحقق في أغلبها على أرض الواقع.

وفي الغالب يمثل الدهاء الديني لأصحاب الفتاوى الجائرة سببا في تعرض النساء إلى الضرب والقتل والتشويه والحرق والاستغلال والعبودية دون سبب، غير كونهن نساء.

وقد قدرت منظمة الأمم المتحدة في تقريرها الأخير عدد الفتيات اللاتي يجبرن على الزواج بـ39 ألف فتاة أعمارهن دون الثامنة عشرة، أي ما يعادل زواج قاصرة كل ثانيتين. كما أن امرأة من بين 3 نساء حول العالم تتعرض للعنف الجسدي أو الجنسي في حياتها.

والمشكلة الأكبر في عملية الختان التي تخضع لها ثلاثة ملايين فتاة سنويا، وتتصدر مصر القائمة مع وجود العدد الأكبر من ضحايا ختان الإناث حول العالم، إذ خضعت حوالي 91 بالمئة من الفتيات والنساء المصريات لعملية ختان.

ولذلك يبدو أن كيل الثناء للمرأة بمناسبة أو من دون مناسبة، لا يمكن أن يحجب حقيقة الواقع المأساوي الذي مازالت تعيش فيه، وخصوصا في المجتمعات العربية التي تربي الذكر منذ الصغر على الفكر التفاضلي، وتزرع فيه نزعة التفوق على الأنثى، فتجعله يتسلط عليها ويمارس عليها أبشع أشكال العنف والإقصاء والتهميش ويخضعها إلى رقابته من المهد إلى اللحد، رغم تفانيها في خدمته ونكرانها لذاتها في سبيل إسعاده.

وأعتقد أن حقوق النساء المهضومة، لا يمكن أن يعوضهن عنها مجرد كلمات منمقة، تخرج من أفواه قد ينطق أصحابها بعكس ما يضمرون، وجميع أقوالهم لا ترقى إلى مستوى التطبيق الفعلي.

ونشر الوعي الاجتماعي بقيمة المرأة وإعطائها مكانتها الحقيقية في المجتمعات الذكورية، لا يمكن أن يتحقق ما لم تكسر الصورة النمطية لربة البيت في البيئة الأولى التي يتربى فيها الطفل، وهي الأسرة، وتُحطّم القوالب الجاهزة التي يرسّخها المجتمع حول الاختلافات في أدوار الرجال والنساء وأسباب التفاضل بينهما.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر