الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

ليوناردو

استعمل دافينشي غرفة التصوير المظلمة.. ليطبع على نسيج الكفن صورته الشخصية وملامح وجهه هو، بعد أن غمره بكبريتات الفضة ولتصبح هي صورة المسيح المعروفة في العالم أجمع.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/08/12، العدد: 10363، ص(24)]

استيقظ الناس على طموح دهّان من عامة الشعب، يطلس الحيطان بأبهى البويات والألوان. أراد يوما أن يصبح فنانا تشكيليا، لكنه لم يكن يملك من أدوات الفن شيئا، سوى الفراشي والسطول. فأخذ يقيم المعارض وينسخ اللوحات، حتى صدّق القصة، دون أن يبذل من أجلها أي جهد معرفي.

وكان يصف “انطباعه” عن لوحات الفن العالمي بالقول “امطباعي عن لوحات مايكل أنجلو هو..”، أو”الفراغ في اللوحة برأيي، هو الوقت الذي يضيّعه الفنان دون أن يرسم”، وحين تقول له “ما رأيك بالفن التجريدي؟” يجيبك “استغفر ربك يا رجل. الحشمة في اللباس مطلوبة”. و”معجون لوحات بيكاسو يبدو من النوع الثقيل” وهكذا. لكنه سرعان ما اختفى في الزحام، حين رأى أن الأمور جدية وليست لعبا على الذقون.

وقبل خمسمئة عام من صعود وهبوط فناننا هذا، تحيّر العالم في سبب حرص فنان آخر، هو ليوناردو دافينشي، على إخفاء نتائج تجاربه في التشريح والهندسة وغيرها، باستعمال الكتابة المقلوبة ودس الرسائل في اللوحات والأعمال الفنية؟ وهل كان يخفي ذلك، كما قيل، عن الجماهير الجاهلة، أم عن النخبة التي كانت تتحكم بكل الأمور، سواء في الكنيسة أو في القصور؟

لكن دافينشي لم يكتف بقلب الكتابة وجعلها غير ممكنة القراءة إلا باستخدام المرايا. فقد استخدم تلك التقنية أيضا في الرسم، بحيث لا يمكن رؤية رؤوس الكائنات الفضائية المتشابهة التي تتكرر في لوحاته، ومن بينها الموناليزا التي بقي سنوات وهو يرسمها، سوى عبر رؤيتها في المرآة. قال دافينشي إن الطبيعة كانت لطيفة معنا، لأنها جعلتنا نعثر على المعرفة حيثما أدرنا وجوهنا في العالم.

واليوم توجد 283 ورقة محفوظة في المكتبة البريطانية في لندن، كتبها دافينشي. تظهر أنه كان أول من اخترع طائرة الأباتشي والدبابة والغواصة والرجل الآلي، ولكن تلك الأوراق تظهر أيضا كيف عثر ذات مرة على كهف كبير معتم، شمال إيطاليا، فدخله وغاب فيه طويلا، ليخرج على العالم مع حقيبة مخترعاته المبهرة. لم يعترف دافينشي بما رآه في الكهف، كما لم يتحدث عن لوحته الأشهر الموناليزا.

ومع أن جميع الناس يعرفون أن كفن تورينو المقدّس المملوك لأسرة الأميرة كلوتيلد دي سافوا ليس الكفن الحقيقي للمسيح، وأنه نسج بعده بأكثر من ألف سنة، وأن الصورة المنطبعة عليه، هي من صنع دافينشي نفسه، إلا أنهم يسجدون للكفن ويصلون أمامه.

استعمل دافينشي غرفة التصوير المظلمة التي يخترقها الضوء لينعكس عبر العدسات وينقل صورة مقلوبة، والتي أطلق عليها اسم “أوكيلوس أرتيفيسيالس”، أي “العين الصناعية” ليطبع على نسيج الكفن صورته الشخصية وملامح وجهه هو، بعد أن غمره بكبريتات الفضة. ولتصبح هي صورة المسيح المعروفة في العالم أجمع، فقد كانت قبل ذلك التاريخ، مختلفة تماما عمّا هي عليه الآن.

وهكذا يتمكن رجل غير متدين، مؤمن بالعلم والإبداع، من تعميم صورة وجهه على كل كنيسة وبيت مسيحي في العالم، تقدّم إليه أسمى آيات التبجيل صباح مساء. هكذا يكون التزوير المعتبر، بالعقل، لا بـ”الامطباعات”.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر