الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الحق في النسيان

صحيح أن التكنولوجيا اختصرت المسافات والوقت وسهّلت علينا الكثير من الأمور، ولكنها في الوقت نفسه انتزعت منا نزعتنا البشرية لنسيان الأشياء، ومكنتنا من العودة إلى الوراء، وجعلتنا نحيا محن الأمس اليوم وغدا.

العرب يمينة حمدي [نُشر في 2016/08/19، العدد: 10370، ص(21)]

من أكثر الأمنيات التي تحدو أغلبنا في لحظات الحزن والانكسار التي نمر بها في حياتنا، أن يمنحنا الله القدرة على النسيان، وما أعظم هذه النعمة التي حبانا بها الله نحن بني البشر، إنها المرهم الشافي لقلوبنا والمعافي لعقولنا من وقع الصدمات، والمآسي التي نمر بها في الحياة.

وقبل أن تغزو التكنولوجيا الرقمية حياتنا لم يكن من الصعب علينا النسيان، فقد كان من السهل على الذاكرة البشرية تخزين جميع الأحداث الأليمة في مكان ما في الدماغ، وحجبها علينا، كوسيلة لحمايتنا من الشعور بالألم، ومع مرور الزمن يطويها النسيان، فلا نستطيع استحضار جميع تفاصيلها، مما يخفف علينا وطأتها، ويساعدنا على بدء صفحة جديدة ومواصلة مشوار الحياة.

إلا أن هذا الأمر، لسوء الحظ، لم يعد سهلا في زمن اخترقت فيه التكنولوجيا كل ميادين حياتنا، وجعلتنا ندون بالصوت والصورة كل اللحظات السعيدة والحزينة التي نعيشها، وبذلك أصبحت الذكريات ملازمة لنا مدى الحياة، وبإمكاننا استحضارها بأدق تفاصيلها كلما عاودنا الشوق والحنين إلى الزمن الجميل، أو جذبتنا ظلال الزمن الحالك، فبنقرة واحدة على أجهزتنا الذكية نعيش تفاصيل حياتنا الماضية وكأننا نحياها اليوم.

صحيح أن التكنولوجيا اختصرت المسافات والوقت وسهّلت علينا الكثير من الأمور، ولكنها في الوقت نفسه انتزعت منا نزعتنا البشرية لنسيان الأشياء، ومكنتنا من العودة إلى الوراء، وجعلتنا نحيا محن الأمس اليوم وغدا، مرارا وتكرارا، فبات من الشاق علينا القطع مع الماضي والتطلع إلى المستقبل.

وفي ظل عجزنا عن التخلص من الحوادث والمواقف المؤلمة التي حدثت ولكنها بقيت حاضرة أمام أعيننا وفي وجداننا بصورة شبه دائمة، أصبحنا سجناء الأحزان وفقدنا الحماسة والرغبة في المضي قدما.

أليس الأمر أشبه بهاوية سحيقة؟ فالنسيان في صلب تكويننا ووجودنا، وعندما نفقد القدرة على النسيان، نفقد في الحقيقة أنفسنا.

قد يكون هذا هو المستقبل المخيف الذي حذّرنا منه عالم الفيزياء البريطاني ستيفن هوكنيغ، عندما أكد أن أجهزة الذكاء الصناعي ستتمكن من “تسطير نهاية الجنس البشري”.

رأيه قد يراه البعض مجرد تخمينات، إلا أن تحقّقه غير مستبعد، خاصة بعد أن اندمجت التكنولوجيا في البيئة المحيطة بنا، وأثرت على طريقة تفكيرنا وأهدافنا، وأيضا على معنوياتنا وأخلاقنا.

ومن حسن حظ المواطنين الأوروبيين أن لديهم قانون “حق النسيان” الذي يتيح لهم الطلب من محركات البحث شطب المعطيات التي تنتهك خصوصياتهم على الإنترنت.

ولكن هل يمكن أن يكون مثل هذا القانون كفيلا بالحدّ من وقع المآسي التي يمر بها شعب ما، أو مجموعة من الناس، أو حتى فرد واحد، ويشفي علل من يعيشون في المخيمات ويعانون في مجملهم من إصابات جسدية ومشكلات نفسية؟

الإجابة عن هذا السؤال تحيلني إلى مأساة أخرى أعمق، تتعلق بحال من فقدوا فلذات أكبادهم وأزواجهم وأقربائهم وأصدقائهم وأحبتهم في الفظائع المرتكبة في البعض من البلدان العربية، وتجعلني أتساءل عن حق هؤلاء في النسيان بعد أن أصبحت بعض وسائل الإعلام تتسابق إلى المتاجرة بآلامهم، وتعيشهم الذكريات المؤلمة رغما عنهم.

ألن تزيد مشاهد أعمال العنف والدمار التي تبث بصورة متواصلة في دمارهم النفسي، وينتج عنها ضحايا كثر يعانون من صدمات نفسية وعقلية؟

يبدو أن حقوق الإنسان جميعها، قد أصبحت في أغلب بلداننا العربية من المطالب صعبة المنال، بعد أن شيّع الضمير الإنساني إلى مثواه الأخير.

صحافية تونسية مقيمة في لندن

يمينة حمدي

:: مقالات أخرى لـ يمينة حمدي

يمينة حمدي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر