السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

السبت 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10823

مشروع كلمة للترجمة: خزانة الأمم في لغة الضاد

إن استمرار هذا المشروع الرائد في الحفاظ على القيمة الأدبية والعلمية لما يقدمه من ترجمات، عن ثقافات العالم وآدابها وفنونها وعلومها يعد إنجازا كبيرا، جعل من إصداراته مكسبا كبيرا للثقافة العربية والقارئ العربي.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/08/21، العدد: 10372، ص(11)]

نافذة عربية على قوس قزح الآداب والثقافات

منذ انطلاقته في سنة 2007 تميز مشروع "كلمة للترجمة" في أبو ظبي عن سائر مشاريع الترجمة العربية في تكامل رؤيته إلى ما ينبغي أن يقوم به مشروع كهذا، سواء على مستوى الشرائح الاجتماعية والثقافية، التي يجب أن يتوجه إليها، أو المراحل العمرية التي عليه أن يعمل على تنمية معارفها النظرية والعلمية، وحسّها الجمالي من خلال ترجمة أهمّ ما أبدعته ثقافات وعلوم الشعوب الأخرى، أو فيما يتعلق بالكتاب العلمي نظرا لتركيز دور النشر المختلفة على الكتاب الأدبي وكتب الثقافة العامة.

هذا التوجه الجديد عمل على كسر نخبوية القارئ الذي طالما عملت مشاريع الترجمة العربية على تكريسه في سياساتها لترجمة الكتاب الأجنبي إلى اللغة العربية، كما عمل على وضع الأطفال والناشئة في صلب اهتماماته. ولتأكيد هذا التوجه عمل المشروع على إصدار مجموعة من السلاسل، التي تعني بقضايا الثقافة العامة واللغات والعلوم والآداب والفنون والفلسفة والأطفال والناشئة، ما جعل إصداراتها تشكل مكتبة متكاملة، يمكن للقارئ العربي أن يجد فيها ما يحتاجه في مختلف ميادين المعرفة والعلوم والثقافة.

واستكمالا لهذا التوجه الجديد عمل المشروع على احترام حقوق المؤلفين، وذلك من خلال الاتصال بأصحاب حقوق النشر للحصول منهم على تصريح بحق الترجمة والنشر، مراعاة للقواعد المتبعة دوليا، خلافا لما يقوم به العديد من دور النشر الخاصة وأحيانا الرسمية عند ترجمتها للكتاب الأجنبي.

جمالية الشكل والمحتوى

حاول مشروع “كلمة” الذي أسسه الراحل محمد خلف المزروعي وشهد انطلاقته الفعلية على يدي د. علي بن تميم كذلك استخدام أفضل معايير الإخراج الفني والطباعة عالميا، من أجل تقديم الكتاب المترجم إلى القارئ العربي بالشكل اللائق والجميل، ما جعل مطبوعات “كلمة” تحافظ على سويّة عالية وشكل فني مميز، أعطاها هويتها الخاصة التي ميزتها عن سائر المطبوعات العربية الأخرى. ومن أجل تعزيز هذا التوجه عمد القائمون عليه إلى اختيار الكتب الأكثر أهمية في الثقافات الأجنبية لتقديمها للقارئ العربي، إضافة إلى اختيار المترجمين من أصحاب الكفاءة والاختصاص في مجال الترجمة ومحتوى الكتاب، بغية الحفاظ على المستوى المطلوب علميا ولغويا في عملية الترجمة، وإيصاله إلى القارئ العربي بما يحقق الفائدة العلمية والأدبية، ويحافظ على القيمة الحقيقية للكتاب المترجَم.

إن قراءة المئات من عناوين الكتب، التي استطاع “كلمة” أن يقدمها للقارئ العربي كل ثلاثة أيام كتابا جديدا، تكشف عن القيمة المعرفية والعلمية والفنية والأدبية لإنجازاته

مشروع متكامل

لقد عمل هذا المشروع في إطار هذا التوجه العام على التوجه إلى مختلف المراحل العمرية، وذلك من خلال السلاسل الموجهة للأطفال والناشئة، والتي تركز بصورة خاصة على الثقافة العلمية والعامة، بغية خلق أرضية ثقافية تعين الأطفال والناشئة على استيعاب علوم العصر وثقافته. ومن الإضافات الهامة التي ميزت هذا المشروع تنوع مصادره المعرفية والأدبية، فإلى جانب الكتاب العلمي على اختلاف أنواعه (علم نفس وعلم اجتماعي وعلوم تطبيقية ونظرية) كان هناك الكتاب الفكري والفلسفي وكتب الأدب المختلفة، إضافة إلى كتب المعرفة الجغرافية والتاريخية والدينية والآداب الشعبية لشعوب العالم. كذلك عمل المشروع في اختياراته للكتب المترجمة على الانفتاح على فكر الشعوب المختلفة وعلومها وآدابها، من أجل التعرف إلى منجزها الثقافي والأدبي، وتوسيع دائرة المعرفة والتفاعل مع ثقافات الشعوب المختلفة.

فضاء ثقافي واسع

إن هذا التنوع في أشكال المعرفة والأدب لم يكن ليتحقق لولا استنفار المشروع لعدد لا يستهان به من خيرة المترجمين العرب لإنجاز هذه الطيف الواسع من الترجمات لخيرة الكتب الموضوعة في ثقافات العالم المختلفة، آسيوية وأميركية ومن الشرق الأقصى والهند وذلك في شتى الاختصاصات والعلوم والمعارف والفنون والآداب. ومما يضاف إلى هذا الإنجاز أن المشروع سعى في اختياراته إلى تحقيق التوازن في موضوعات الكتب المترجمة ومادتها الثقافية والعلمية، بعد أن كانت أعمال الترجمة تركز بصورة خاصة على كتب الفكر والعلوم والأدب الغربي، بينما كان يتم تجاهل العلوم النظرية والتطبيقية والثقافة الشعبية لشعوب العالم المختلفة.

يصدر عن مشروع “كلمة” للترجمة عشر سلاسل تتوزع على عشرة عناوين تبدأ بسلسة المعارف العامة وتنتهي بسلسلة الأطفال والناشئة، بينما تتوزع العناوين الأخرى على العلوم الاجتماعية والطبيعية والتطبيقية واللغات والفلسفة وعلم النفس والتاريخ والجغرافيا وكتب السيرة والفنون والألعاب الرياضية، إضافة إلى الأدب والديانات.

واللافت في هذه السلاسل أنها عملت على تحقيق توازن نسبي في إصدارتها، سواء في مجال كتب العلوم الاجتماعية والتطبيقية، أو كتب الثقافة العامة والأدب وكتب الأطفال والناشئة، على الرغم من صعوبة الترجمة في مجالات العلوم المختلفة التي تحتاج إلى مترجمين مختصّين من ذوي المؤهلات العلمية. ويظهر الاهتمام الواضح بالمعارف العلمية في مجال كتب الأطفال والناشئة من خلال العدد الوافر من الترجمات التي تتناول مجالات المعارف العلمية المختلفة، وفي المقدمة منها التاريخ الطبيعي والثقافي للكائنات التي تعيش معنا وتشاركنا الحياة على هذا الكوكب، إضافة إلى قضايا الحياة والمستقبل البشري والتنمية التي تشكل تحديا مستمرا لشعوب العالم.

التوجه الجديد عمل على كسر نخبوية القارئ

الفلسفة والعلوم

كما اهتمت الحضارة العربية القديمة بترجمة علم المنطق وعلوم اليونان الأخرى، فقد أفرد مشروع “كلمة” ثلاث سلاسل من إصدارته لمجال الفلسفة وعلم النفس والعلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية والتطبيقية. وتكمن أهمية هذه السلاسل، إضافة إلى تزويد القارئ بالمعارف العلمية والنظرية، في أنها تعمل على تنمية التفكير الفلسفي والعلمي وتعزيزه في سلوكنا وفهمنا للظواهر الكونية والإنسانية. لذلك أصدر المشروع المئات من الكتب التي تبحث في قضايا تكوين الوعي الإنساني والديني والفلسفة القديمة والحديثة وأصول الفكر اليوناني ومفارقات العقل الحديث، إضافة إلى التعريف بفلسفات الشرق الأقصى والعلوم الاجتماعية وعلم الإناسة، لكن الأهمّ في هذه السلاسل هو الترجمات الواسعة من دوحة المعرفة، والتي تتناول مختلف القضايا العلمية والبيولوجية والتاريخ الطبيعي ودراسة النجوم والشعاع والفكر العلمي.

لقد سعت هذه السلسلة لا سيما في مجال الفكر السياسي وعلم الاجتماع إلى تحقيق التوازن في اختياراتها، إذ عملت إضافة إلى الاهتمام بقضايا الفكر الإنساني الحديث وعلاقة الثقافة بالسياسة إلى اختيار مؤلفات تتناول تجارب الشعوب التي نتشارك معها في الهموم والتحدّيات، سواء على مستوى التنمية أو الحفاظ على الوحدة الوطنية في مواجهة تحديات التعددية الإثنية واللغوية، من أجل الاستفادة من تجارب هذه الشعوب الناجحة في البحث عن حلول ناجعة لهذه التحديات.

في مجال الأدب

تعدّ هذه السلسة من أغنى السلاسل التي أصدرها “كلمة” للترجمة، نظرا لمحاولاتها تغطية الأدب الإنساني قديمه وحديثه، والذي ينتمي لثقافات مختلفة، بعد أن كانت جلّ الترجمات تركز على ترجمة الأدب الغربي. كذلك حاولت هذه السلسلة أن تغطّي سائر الأجناس والدراسات الأدبية، وكان لافتا تركيزها على أمّهات الآداب العالمية في الرواية العالمية، وقد صدرت في هذا المجال سلستان إحداهما عنيت بالأعمال الروائية الكلاسيكية للأدب الياباني بعد الحرب العالمية الثانية، والثانية بالرواية الكلاسيكية الفرنسية في القرن التاسع عشر، إضافة إلى ترجمة العديد من الروايات الفرنسية الحديثة وغنائيات شكسبير. وإذا كانت ترجمة أهم الأعمال الروائية الكلاسيكية اليابانية هي إضافة هامة من قبل هذا المشروع، فإن الاهتمام بترجمة الأدب الصيني وفي المقدمة منه المسرح الحديث، هو إضافة هامة أخرى على مستوى ترجمة هذه الآداب وتعريف القارئ العربي بمنجزها الإبداعي في هذا المجال.

أما في مجال المعاجم الأدبية فقد أصدر مجموعة من المعاجم تناولت الأدب الياباني والأدب البرازيلي والأدب الصيني. لقد كان واضحا التنوع في هذه الترجمات اهتمامها بتحقيق التوازن في إصدارتها بحيث تغطّي مختلف الآداب العالمية والأجناس الأدبية، لكن التوجّه الخاص الذي تميزت به هذه الإصدارات هو الاهتمام الكبير بالتراث الحكائي للشعوب بدءا من أميركا اللاتينية وحتى أقصى آسيا، مرورا بأفريقيا ومنطقة الشرق الأدنى، ما شكّل فرصة ثمينة للقارئ العربي لكي يتعرف إلى هذا التراث الحكائي لشعوب العالم، وما تشترك به أو تتمايز من خيال ومضامين وأساليب تعكس واقع هذا التراث وقيمه الاجتماعية والثقافية.

إضافة إلى كلّ هذا أفرد المشروع سلسلة عرفت بـ”سلسلة اللغات” اهتمت بترجمة الكتب التي تتناول موضوع الترجمة المعاصر باعتباره موضوعا يتصل بصلب عملها وبقضايا اللغة الأساسية وموضوعاتها. وفي هذا المجال كان للغات الهند حضورها، نظرا لعدد اللغات الكبير الذي يتكلّمه سكانها مقارنة مع شعوب العالم الأخرى.

كلمة أخيرة

إن استمرار هذا المشروع الرائد في الحفاظ على القيمة الأدبية والعلمية لما يقدمه من ترجمات، عن ثقافات العالم وآدابها وفنونها وعلومها يعد إنجازا كبيرا، جعل من إصداراته مكسبا كبيرا للثقافة العربية والقارئ العربي، خاصة في هذا العصر الذي نحتاج فيه إلى مزيد من انفتاح الثقافات الإنسانية على بعضها البعض، وتحقيق تفاعلها الإيجابي الذي يعزز من فهمها لحضارة الآخر، ويسهم في تعميق قيم الخير والمنفعة والجمال.

إن قراءة المئات من عناوين الكتب، التي استطاع “كلمة” أن يقدمها للقارئ العربي كل ثلاثة أيام كتابا جديدا، تكشف عن القيمة المعرفية والعلمية والفنية والأدبية لإنجازاته التي استطاع من خلالها وبجدارة أن يتصدر مشاريع الترجمة العربية شكلا ومضمونا.

كاتب من سوريا

اقرأ ايضا:

◄ الكتاب المنتظر

◄ علامة فارقة في تاريخ الثقافة العربية المعاصرة

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر