الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

تركيا وإسرائيل وموسم الركض نحو التطبيع

تركيا تريد من التطبيع مع تل أبيب في هذه الظروف الخروج من دائرة الأزمة التي وجدت فيها نتيجة تحول مواقفها من الموضوع السوري والخلاف مع القاهرة وبعض دول الخليج، على خلفية الوضع في سوريا.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/08/22، العدد: 10373، ص(9)]

قدمت الحكومة التركية أمام البرلمان مشروع اتفاق حول تطبيع العلاقات التركية الإسرائيلية من المرجح أن يصوت عليه النواب في الأيام المقبلة، تدفع إسرائيل بموجبه 20 مليون دولار في شكل تعويضات على حادث سفينة “مافي مرمرة” التي داهمتها القوات الإسرائيلية عام 2010 قبالة سواحل غزة، وذلك مقابل أن تلغي أنقرة ملاحقاتها القضائية ضد العسكريين الإسرائيليين المتورطين في الحادث؛ فيما اتهمت عائلات الضحايا الحكومة التركية بالخيانة وبقبول رشوة مالية من نظيرتها الإسرائيلية مقابل التخلي عن متابعتها أمام القضاء الدولي.

وبالرغم من أن هذا الاتفاق، الذي ينتظر أن يمر في البرلمان التركي لتوفر الحكومة على الغالبية، يبدو كما لو كان انعطافا في العلاقات بين البلدين، إلا أن التطبيع بين أنقرة وتل أبيب ليس وليد اليوم. فقد كانت تركيا من البلدان التي اعترفت بإسرائيل في وقت مبكر عام 1949، ومنذ ذلك التاريخ والعلاقات الثنائية تشهد تحسنا كبيرا، تمثل في عقد جملة من الاتفاقيات والعقود التجارية والعسكرية. وفي عام 1989 عينت الحكومة التركية قائما بالأعمال في تل أبيب، وتبع ذلك تبادل السفراء بين الدولتين عام 1991.

وإذا كانت حكومة حزب العدالة والتنمية،، قد حاولت أن تعطي الانطباع بوجود تعثرات في هذه العلاقات التاريخية بين البلدين، إلا أن ذلك بقي جزءا من إستراتيجية نهجها الحزب للحصول على تأييد الشارع التركي والإسلاميين العرب، عبر اللجوء إلى استعمال معجم يوحي بتدهور العلاقات بين الجانبين، وعيا منه بأن تسويق إسرائيل لدى هذه الجهات مهمة صعبة قد تودي بمشروعيته السياسية. فقد جاء الحزب إلى السلطة بناء على نظرية في العلاقات الدولية والإقليمية لتركيا تريد الانفتاح على العمق العربي والإسلامي وتقدم تركيا كلاعب رئيسي في جملة قضايا تهم المنطقة، وتركز في تحقيق تلك الأهداف على التيارات الإسلامية من أجل لعب دور الوسيط بينها وبين الشارع العربي.

بيد أن العلاقات مع إسرائيل ظلت بالنسبة لأنقرة حجر عثرة على طريق تحقيق المهمات الجديدة، لصعوبة إعلان مواقفها الحقيقية من التطبيع، ولذا اختار حزب العدالة والتنمية السير بوتيرتين، الأولى سياسية تتبنى التصعيد في المواقف السياسية المعلنة تجاه إسرائيل، والثانية على الصعيدين الاقتصادي والعسكري. فأنقرة لم تلغ الاتفاقيات التجارية والعسكرية المبرمة بين البلدين، وظلت تسير بنفس الجدول الزمني المتفق عليه، كما عقد البلدان صفقات للأسلحة خلال السنوات الأولى لحكم العدالة والتنمية.

وعلى الرغم من تصعيد حزب العدالة والتنمية لمواقفه العلنية إزاء إسرائيل، خصوصا في ما يتعلق بالموضوع الفلسطيني، إلا أن تطور العلاقات التجارية والعسكرية بين البلدين ألقى ظلالا من الشكوك حول نوايا الحزب من وراء الازدواجية في المواقف، إلى درجة أن حادث سفينة مرمرة أثار الكثير من الجدل داخل تركيا، حول ما إن كان حزب العدالة والتنمية قد تعمد دفع الوضع إلى حده الأقصى من أجل ربح جولة سياسية في الشارعين التركي والعربي.

الخطوة الأخيرة، بتبني مشروع اتفاق مع إسرائيل ينهي ملف الحادث، تظهر أن الحكومة التركية استخدمته خلال السنوات الماضية لرفع منسوب التأييد لها في الشارع التركي. فالملف طوي من الناحية العملية عام 2013، حين قدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو اعتذاره لنظيره التركي آنذاك رجب طيب أردوغان، وتعهد بتقديم تعويضات مالية، وهو ما قبله الجانب التركي وبقيت الجوانب الفنية التي سيضع الاتفاق الجديد صيغتها النهائية. في العام الماضي أظهرت تركيا استعدادها للتطبيع مع إسرائيل، من خلال الإذعان لرغبة تل أبيب في التضييق على حركة حماس فوق أراضيها، وهو ما أسقط ذريعة تبني الملف الفلسطيني من جانب العدالة والتنمية، وكشف بأن هذا الأخير يستعمل أوراقا مختلفة لهدف واحد.

تركيا تريد من التطبيع مع تل أبيب في هذه الظروف الخروج من الأزمة التي وجدت فيها نتيجة تحول مواقفها من الموضوع السوري والخلاف مع القاهرة وبعض دول الخليج على خلفية الوضع في سوريا.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر