الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

العرفان للفاشست وشرطة الحدود

الفاشيون في الغرب هم الأساس في كل هذا. يحملون حكوماتهم على إرجاع الشباب المهاجر إلى مجتمعهم الأصيل وينظمون مسيرات الكراهية والمشاعل.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/08/23، العدد: 10374، ص(24)]

العرفان عاطفة نبيلة، وهي من متطلبات التحضر. أول ما يلفت النظر في المجتمعات المتطورة هو فضيلة الاعتراف بالجميل. في إنكلترا حين يرتدي الطفل بدلة أنيقة أو حين يشاهده الناس يتباهى بلعبة جديدة يقولون له قبل أي شيء “يا لك من طفل محظوظ إذ اشترى لك أبواك هذه الملابس الحلوة” أو “هنيئا لك هذه اللعبة البديعة واشكر أبويك لأنهما أتاحاها لك”.

تربية كاملة تقوم على العرفان في مجتمع يشعر بالامتنان لكل شيء. تتأخر الحافلة عن موعدها ثم تأتي فيقولون يا لنا من محظوظين لأن عندنا حافلات وينسون أنها تأخرت. وقد رأيت ناسا لا يزالون شاكرين على وجود ماء في الحنفيات أو ثلاجات في البيوت.

أنا من الذين يحبون العرفان كعاطفة أصيلة. لذلك أشعر بالامتنان للفاشست في المجتمعات الغربية وحرس المنافذ الحدودية لأنهم يسدون إلينا خدمة لا ينكرها إلا الجاحد. بسبب هؤلاء لا يزال عندنا شباب. طاقاتهم مهدورة؟ نعم لكنهم موجودون ولو في المقاهي. ولا يفسر وجودهم بيننا سوى أنهم ممنوعون من دخول الدول الغربية بسبب شرطة الحدود، إضافة إلى ما يتسامعونه عن صعوبة الحياة هناك بسبب العنصرية والفاشية. ولولا هاتان الظاهرتان لما بقي لدينا شباب.

تصوروا لو أن بريطانيا وألمانيا وفرنسا أعلنت أن الشباب العربي، والشباب من كل دول العالم الثالث، مرحب بهم، يحلّون أهلا ويطأون سهلا، وهناك لافتات تقول مرحبا في وطنكم الثاني بلجيكا، هل سيبقى عندنا شباب؟ ألن يكون في مجتمعاتنا فجوة وجرح غائر؟ مساحة مجتمعية عمرية كاملة من 18 إلى 36 عاما ستختفي. ستذهب الطاقة والخصوبة ولن يبقى لدينا سوى العجائز.

وهذا وضع لا يمس الدول الفقيرة أو المتعثرة اقتصاديا وحسب. فالشباب في بلدان أحسن حالا مثل تركيا يريدون الذهاب إلى الغرب. الإحصائيات تشير إلى أن أكثر من ستين في المئة من الشباب في تركيا لا يطيقون بلادهم ويريدون أن يهاجروا. هذا في تركيا، فما بالك بالشباب في مصر أو تونس مثلا.

الآباء ينصحون ويثورون والأمهات يبكين ويتضرعن والشبان لا يأبهون. الهجرة الهجرة. لكن لا ينبغي أن نيأس فهناك من يبقي شبابنا بيننا. هناك سلطات الدول التي يريدون الهجرة إليها. سلطات عاتية عندها عدّة وأدوات من عصي وقيود وأسلحة وكلاب وأسلاك شائكة ومكهربة، بل ولديهم قوارب وأساطيل كلها تعمل ليل نهار لإبقاء شبابنا في مجتمعاتنا. هؤلاء الساهرون على توازن مجتمعنا يستحقون الشكر والعرفان.

وفي حالة الامتنان هذه يجب ألا ننسى المحرك الأساسي لكل هذا الصد والبطش بالوافدين. الفاشيون في الغرب هم الأساس في كل هذا. يحملون حكوماتهم على إرجاع الشباب المهاجر إلى مجتمعهم الأصيل وينظمون مسيرات الكراهية والمشاعل. وهم لا يتوقفون عند المطالبة المثابرة على ردع المهاجرين واللاجئين بل يذهبون إلى أبعد من ذلك: يحيلون حياة من أفلت ودخل دولهم جحيما وتحريقا. لكل هؤلاء نعبّر عن شكرنا وامتناننا. آمالنا معلقة بالفاشست.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر