الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

التحفة المجهولة

بوسان تورّط وهمس لبوربوس 'لا بد أن نقول له الحقيقة'. لكن فرينهوفر سمع تلك الهمسة، ونظر إلى بوسان مندهشا فاتحا فمه الخالي من الأسنان، وقال 'لا يوجد شيء في لوحتي؟'.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/08/26، العدد: 10377، ص(24)]

فيلقٌ من البشر نذر نفسه لقول ما يظن أنها الحقيقة. تعدّدت أطيافه ومذاهبه، وتشابكت اهتماماته وتخصصاته. إلا أن عناصره اتفقت على هدف أوحد، نشر الكآبة.

وعن مثل هؤلاء، قرأت مرة أن المفكر المصري فرج فودة الذي اغتالته أيدي صنّاع الكآبة من المتطرفين، كان قد علّق ذات يوم على احتجاج رئيس لجنة الفتوى في الأزهر على أغنية “من غير ليه” لموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب، بالقول “يبدو أن الشيخ المشد سأل عن الأغنية وهل تقبّلها الناس، فقيل له نعم. فاغتاظ من وجود شيء يفرح به الناس. فأصدر هذه الفتوى، وهذا هو (فقه النَكَدْ) الذي ينغّص به الفقهاء على الناس”.

ولا يقتصر النكد على بعض المفتين وحسب، بل هناك آخرون تمرّسوا فيه، واعتبروه فنّا بحد ذاته. مثل حالة مفكّر يخرج بمقال طويل عريض ليقول للناس: لا أمل. لن يتغير أي شيء. أو محلل سياسي يكتب مقالا ليخبرنا بأن الطريق “مسدودٌ مسدود”. أما سرايا المثقفين المتجهّمين، فلعلّهم لم يسمعوا عن أن كارل ماركس لما رأى عبوس صديقه إنجلز، قال له: لماذا لا تقرأ “التحفة المجهولة”؟ وهي قصة لبلزاك، وصفها ماركس بأنها “تحفة صغيرة، تزخر بالسخرية المبهجة”.

ووفقا لما نشرته الغارديان البريطانية في عدد الثامن من يوليو من العام 2008، فإن “التحفة المجهولة” تروي قصة السيد فرينهوفر، وهو رسام بلغ من العمر عتيا، وقضى عشر سنين يرسم في لوحة واحدة، ظنا منه أنها ستكون ثورة فنية عالمية، وأنها “التعبير الأكثر اكتمالا عن الحقيقة”.

وحين أنهاها، طلب من صديقيه بوسان وبوربوس أن يأتيا لرؤيتها ويقولا له رأييهما. لكن الرجلين بعد أن تمعّنا في اللوحة، بحلقا في عينيهما الأربع، وابتلع كل منهما ريقه.

ظن فرينهوفر أن تلك التعابير على وجهي صديقيه، تنم عن إعجاب باللوحة، فقال لهما “لا عليكما. أتفهّم أنكما لم تتوقّعا مثل هذا الكمال”.

تورّط بوسان وهمس لبوربوس “لا بد أن نقول له الحقيقة”. لكن فرينهوفر سمع تلك الهمسة، ونظر إلى بوسان مندهشا فاتحا فمه الخالي من الأسنان، وقال “لا يوجد شيء في لوحتي؟”. قال بوربوس لبوسان “ماذا فعلت؟”. أما فرينهوفر فقد غضب وأمسك ذراع بوسان صارخا “لا ترى شيئا هنا؟ أنت جلف ووغد وحقير ولئيم. ما الذي أتى بك إلى هنا إذن؟”. ثم حاول استجداء تعاطف بوربوس بالقول “يا بوربوس الطيب، أنت صديقي. ما رأيك بلوحتي؟”. لكن بوربوس لم يفتح فمه. فقط أشار إلى فرينهوفر بصوت خجول قائلا “انظرْ”. فنظر فرينهوفر إلى اللوحة. وأبصر أخيرا، ما رآه بوربوس وبوسان بالضبط. فقال وكأنه يحدّث نفسه “لا شيء؟ لا شيء؟”. ثم وقع على كرسيه وأجهش بالبكاء. وبعد أن طرد بوربوس وبوسان، انتحر.

الأكثر سخرية هو أن ماركس ذاته، بسرده تلك القصة إنما قصد التهكم على نفسه وعلى الآخرين، لأنه كتب لإنجلز ذات يوم “أيا كانت النقائص الموجودة في كتاباتي، فإن ما يميزها هو كونها تمثل كُلّا فنّيّا”. قال هذا بلا نكد.

إبراهيم الجبين

:: مقالات أخرى لـ إبراهيم الجبين

إبراهيم الجبين

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر