الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

الثلاثاء 23 مايو/ايار 2017، العدد: 10641

ثامر السبهان سفير عسكري يحاول اختراق الأسلاك الشائكة

السفير السعودي ثامر السبهان يعمل من خلال موقعه على إعادة ربط العراق بمحيطه العربي، رغم التهديدات التي تصله.

العرب إبراهيم الجبين [نُشر في 2016/08/28، العدد: 10379، ص(7)]

سعودي 'مطلوب' يعتبر الحشد الشعبي اغتياله شرفا

برلين - طالب السفير السعودي في بغداد ثامر السبهان، الحكومة العراقية بتوضيح موقفها من التصريحات التي تناقلها الإعلام على لسان قادة فصيل بات رسمياً إحدى مؤسسات الحكومة العراقية، أي “الحشد الشعبي”، والتي قال فيها أوس الخفاجي قائد لواء أبي الفضل العباس إن “اغتيال السبهان شرف”.

وغرّد السبهان على موقع تويتر قائلاً “ننتظر تصريحاً من الحكومة العراقية بخصوص التصريحات من قِبل أحد مكوناتها (بحسب تبنيها الحشد) فهل هي موافقة على ذلك وتتبناه؟”.

ليست هذه هي المرة الأولى التي تتعامل فيها عاصمة عربية مع تمثيلها في العراق على هذا النحو. فقد سبقت الرياض كل من دمشق وعمان وغيرهما من عواصم المشرق. فكان سفير كل دولة من تلك الدول إلى بغداد، يحمل الطابع القبلي العشائري. ما يعكس إصراراً من دول المنطقة على التعامل مع العراق على أنه خزان عشائر لا يحسن فهمها وفك خيوطها سوى ابن الذهنية ذاتها. وهو أمر مختلف في جدواه.

فالعراق كان قد تمكن من تمدين نسبة كبيرة من مواطنيه على مدى القرن العشرين كاملاً، قبل أن تقترب سنوات الغزو الأميركي البريطاني الذي فكك كل بنية منجزة للدولة والمجتمع، وفهم العرب له على أنه كومة قبائل لم يؤد إلا إلى ما سارت إليه الأمور لاحقاً.

كان أول ما أعلنه السبهان بعد تعيينه، أن السفارة السعودية ستقوم بنقض الأحكام الصادرة بحق مواطنين سعوديين محتجزين في العراق. وأنه سيطالب بإعادة محاكمتهم، بعد أن ثبت لديه تعرضهم للتعذيب ولضغوط كثيرة أثناء التحقيق.

تحدث إلى الإعلام العراقي دون تردد، وقال في مقابلة مع قناة السومرية إن “تحرير المناطق العراقية منوط بالدولة، وأن رفض البعض من المكونات العراقية للحشد دليل على عدم القبول به، وأن ما يحدث في العراق هو اختلاف سياسي أريد استغلال العامل الطائفي فيه لخدمة أجندات خارجية تهدد المنطقة”.

العائد بعد ربع قرن

زار السبهان رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني، والمجمع الفقهي لكبار العلماء والدعوة والإفتاء العراقي بعد شهر واحد من تعيينه في منصبه، وأقام له السيد حسين الصدر (ابن أخي محمد باقر الصدر) في الكاظمية مأدبة غداء ترحيباً به، وعندها رحب الصدر قائلاً: إن السعودية تشكل عمقنا الإسلامي، وأكد الصدر على “عمق العلاقات التي تربط العراق بالسعودية قبلة المسلمين، والبلد الذي يتشرف باحتضان الكعبة المشرفة، ويتوجه إليه المسلمون من كل بقاع الأرض”، لافتا إلى الدور الكبير للمملكة في المنطقة على المستويين الديني والسياسي”. مضيفاً أن “هناك روابط كبيرة بين العراق والمملكة من أهمها الدين واللغة والحدود والتاريخ، وهي روابط قومية. ونحن نعتز بجيراننا والحدود المشتركة”.

قال السبهان حينها جملة ترددت كثيراً في الأوساط العراقية موجهاً حديثه إلى السنة في العراق “لن نتخلى عنكم”، في ما اعتبر رسالة موجهة من السعودية إلى سنة العراق. كما التقى بالنائبة الإيزيدية فيان دخيل والعديد من أبناء المكونات العراقية. وبدءاً من تلك اللحظة، أخذ السبهان يثير غضب الميليشيات الشيعية التي خلقتها إيران في العراق.

المعلومات عن محاولات اغتياله يؤكد السبهان صحتها، موضحاً أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي "كلف بنفسه الحماية الخاصة لمرافقتي في تنقلاتي في بغداد، وفي المرة الماضية التي كنت فيها هناك أخبرونا بأنهم في مطار بغداد. وعند القدوم، للأسف لم نجدهم"

ولد السفير ثامر بن سبهان في مدينة الرياض في عام 1967، ودرس العلوم العسكرية في كلية الملك عبدالعزيز الحربية. وخاض في العمل العسكري في مجالات كثيرة بدءاً من عمله قائداً لقوات التدخل السريع في كتيبة الشرطة العسكرية الخاصة في العاصمة الرياض، وصولاً إلى عمله كضابط أمن مشرف ومرافق على القيادة المشتركة لقوات التحالف التي شنت حرب الخليج الثانية. كل ذلك جعل القيادة السعودية وكذلك القوات الدولية المتحالفة معها، تضع ثقتها به لتوليه مهمة حماية المواقع العسكرية للقوات الأميركية والبريطانية والفرنسية في الرياض. فعمل مع ديك تشيني وتوك كينج وكولن باول وجوزيف هور وبينفورد بي وقائد القوات الجوية الأميركية هورنر.

قطعت السعودية ودول الخليج العربي علاقاتها مع العراق زمن صدام حسين، بعد اجتياحه الكويت. ثم شاركت في الحروب التي أعلنت ضد العراق، ولم تعد وصل ما انقطع. في تلك الفترة كان العراق يغرق أكثر في وحل الدم والنفوذ الإيراني. وقبل أن تفكر السعودية في إرجاع سفيرها إلى بغداد، كانت أمور كثيرة قد تغيرت.

لكن اختيار الرياض للسبهان، لم يكن فقط بسبب خبراته العسكرية ومكانته الاجتماعية، التي يعتقد البعض أنها ستكون ذات تأثير على علاقات السفير داخل العراق. بل إن عمله الأخير قبل أن يقسم اليمين أمام الملك سلمان سفيراً في بغداد، كان له الثقل الأكبر في الاطمئنان إلى أن دوره سيكون مختلفاً عن دور السفير العادي. كان السبهان ملحقاً عسكرياً في السفارة السعودية في بيروت، في السنوات الأخيرة الصعبة، سنوات صعود وهيمنة حزب الله على المشهد اللبناني بقوة السلاح والمال الإيراني.

لم يكتف الخفاجي بما قاله عن اغتيال السبهان، لكن أضاف قائلاً إن “للحشد الشعبي ثأراً مع السفير السعودي في بغداد ثامر السبهان”. وأضاف في مقابلة تلفزيونية أنه “إذا اُغتيل السبهان، وهو شخصٌ مطلوبٌ، فهذا شرفٌ يدّعيه الجميع”.

السفير السعودي يزور المجمع الفقهي العراقي لكبار العلماء والدعوة والإفتاء في حي الأعظمية ببغداد، موجهاً خلال الزيارة رسالة لأهل السنة في العراق قال فيها “لن نتخلى عنكم”.

ما هو ثأر إيران مع السبهان

الخفاجي لم يشرح ما هو ثأر الحشد الشعبي مع السبهان، لكنه قال إنه شخص “مطلوب”. الأمر الذي يعكس الذهنية التي يتعامل بها ممثلو إيران في البلدان التي تفرض سيطرتها عليها. فسفراء الدول في كل مكان في العالم، هم أشخاص يتمتعون بحصانة على مر التاريخ، ولم يعرف عن دولة قبلت بسفير يمثل بلاده في عاصمتها، أنه يمكن أن تصفه بـ”المطلوب”، وكأنه هارب من العدالة.

لكن الواضح أن الجرم الذي ارتكبه السبهان لا يتعلق بالعراق، بل بمن يحرّكون الحشد الشعبي والفصائل الطائفية غيره، وهو القرار الإيراني، الذي تضرر على ما يبدو من دور السبهان، ليس في الحقل العسكري مع دول التحالف، بل في لبنان، وضد تمدد النفوذ فيه أيام كان ملحقاً عسكرياً في سفارة بلاده هناك.

معارك السفير

يتعمد السبهان توجيه انتقاداته الحادة إلى مراكز القوى في الساحة العراقية، ليس فقط للرد عليها، بل ربما يحاول كل مرة إخراجها من صمتها، لتحديد هدفه التالي. وليس أبين من ردّه عبر تويتر أيضاً على كلام رئيس الحكومة العراقية السابق نوري المالكي الذي انتقد فيه السعودية معتبراً أنها هي التي تصدر الإرهاب إلى العالم.

قال السفير النبهان بعدها “”‏ماذا يتوقع مِمن حارب العراق ووقف مع إيران، وخلال فترة حكمه خسر العراق 70 بالمئة من أراضيه لحلفائه الدواعش، صدقت العرب (رمتني بدائها وانسلّت)”.

فثارت ثائرة المالكي على السبهان، ووجه نوابه وحلفاءه في البرلمان العراقي لشن حملة للمطالبة بطرد السفير السعودي، لما اعتبروه إهانة موجهة من الأخير بحق المالكي الأمين العام لحزب الدعوة ورئيس ائتلاف دولة القانون. وقال رئيس الكتلة خلف عبدالصمد، في وثيقة قدّمها إلى وزارة الخارجية العراقية، “تطالب كتلة الدعوة النيابية الجهات المسؤولة في وزارة الخارجية باتخاذ إجراءات صارمة تجاه السفير السعودي وتغييره. لتكرار تدخله بالشأن العراقي وتطاوله على الرموز الوطنية” مضيفاً أن “هذه التصرفات خارجة عن السياقات والأعــراف الدبلوماسية”.

ولم يتوقف السبهان عن انتقاد الحكومة العراقية، سيما في ما يتعلق بتعاملها مع الشأن السعودي، فتمكن خلال فترة قصيرة من التحول إلى حديث الشارع العراقي، بعد أن شكره أحد الإعلاميين العراقيين، بسبب موقفه من قيام الحكومة العراقية بإعدام مواطن سعودي دون إبلاغ السفارة.

السيد حسين الصدر (ابن أخي محمد باقر الصدر) في الكاظمية أقام مأدبة غداء ترحيباً بالسبهان، وعندها رحب الصدر قائلاً: إن السعودية تشكل عمقنا الإسلامي.

مخطط الاغتيال

سرّب مسؤول أمني عراقي خطة وضعت للتخلص من السفير السبهان، ليكون اغتياله رسالة موجهة إلى السعودية بالكف عن محاولة الاقتراب من العراق، وإعادة علاقاته مع العالم العربي من حوله. وقال المسؤول لقناة “العربية” إن إحدى محاولات اغتيال السبهان دُبرت من قبل ميليشيات “كتائب خراسان”، وأكّد أن الاستخبارات العراقية قد رصدت بالفعل اتصالات هاتفية بين عناصر تلك الميليشيات وعملاء لهم في مطار بغداد ينتمون إلى كتائب خراسان تتعلق بمعلومات حساسة تخص حركة السفير السعودي.

وقال موقع “العربية” إنه وعند اعتقال الأجهزة الأمنية العراقية لشخص يعمل في مطار بغداد، “اعترف بأنه تعاون مع ميليشيات (كتائب خراسان) مقابل مبلغ من المال. أما المجموعة التابعة لكتائب خراسان المكلفة بتنفيذ العملية والمكونة من ثمانية أفراد موزعين على سيارتين، فأفلتت من أيدي أجهزة الأمن العراقية، إلّا أنها تمكنت من القبض على أحدهم في ما بعد، والذي اعترف بأن ضابطا إيرانيا هو من وضع خطة الاغتيال، وأشرف على تنفيذ الخطة التي لم تتحقق بسبب وصول معلومات غير واضحة من مطار بغداد الدولي، وللتشديدات الأمنية حول شخص السفير السعودي، لكونه (السبهان) حذرا للغاية ويتمتع بحس أمني عال”.

وتشير أصابع الاتهام إلى جهات أخرى متورطة في خطة الاغتيال، تضم كلاً من مجموعة مرتضى عبود اللامي، قائد ميليشيا كتائب الصدر الأول، التي تتبع لـ”عصائب الحق”، ومجموعة أخرى تخضع لسلطة أوس الخفاجي الأمين العام لميليشيا أبي الفضل العباس.

كل تلك المعلومات أكدها السفير السبهان، وأضاف أن الكثير من المعلومات ترده عن طريق “عراقيين شرفاء” يزودون السفارة السعودية بتفاصيل عديدة عن النشاط الإجرامي الذي يستهدف السفير. ودعم السبهان روايته تلك بالقول “الحقيقة أن خالد العبيدي٬ وزير الدفاع العراقي٬ عرض تقديم المساعدة في تأمين تنقلاتنا، عن طريق الطائرات السمتية٬ وتم الطلب فعلا من الوزارة٬ لنقلنا إلى البصرة٬ فاعتذر الوزير العبيدي”، كما نشرت صحيفة “الشرق الأوسط” قبل أيام.

وأضاف السبهان أن رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي “كلّف بنفسه الحماية الخاصة لمرافقتي في تنقلاتي في بغداد٬ وفي المرة الماضية التي كنت فيها هناك، أخبرونا بأنهم في مطار بغداد. وعند القدوم، للأسف لم نجدهم”.

وكان السبهان قد صرّح بأنه على الرغم من التهديدات باغتياله، فإن “السفارة السعودية لن تتراجع عن دعم الشعب العراقي. فالشعب العراقي يستحق كل تضحية وحب، ونحن مستمرون في القيام بإجراءاتنا ومهامنا بشكل طبيعي، بل أكثر من السابق”.

يلعب السفير السعودي في بغداد الدور الذي رسمه لنفسه بدقة، ويبدو أكثر قدرة اليوم، رغم تعريض نفسه للخطر، على إحداث شرخ في المواقف المتباينة بين اللاعبين في الساحة العراقية، وبين المؤيدين للعودة إلى المحور العربي، وأولئك الذين ذهبوا بعيداً في الحضن الإيراني.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر