الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

عن النتائج والبطيخ

الهاتف الذكي متاح والإنترنت متاحة والشكوى يجب ان تتوجه إلى من يغش ويخرب وليس للهاتف والكومبيوتر.

العرب حسين صالح [نُشر في 2016/08/30، العدد: 10381، ص(24)]

ها قد أوشك شهر أغسطس على الانتهاء وهو شهر غريب. فيه وفرة البطيخ وفيه أيضا نتائج الامتحانات. والدنيا منشغلة بموضوع النتائج أكثر من البطيخ. ربما لأن البطيخ أمر يعد من نافلة القول وظهوره مؤكد ليس فيه مفاجآت بخلاف نتائج الامتحانات.

الهوس الذي يعترينا بالنتائج سببه أننا أمة تضع كل إمكانياتها في خدمة النتائج. حتى التعليم بحد ذاته ليس مهما بقدر النتائج. هات نتيجة جيدة ولا يهم إن كنت قد تعلمت أم لم تتعلم.

المعرفة ليست مهمة والنظام التعليمي قائم على تحقيق نتائج طيبة. موقع الإنسان في المجتمع والوظيفة والإبداع كلها بنت النتائج. ويغيب عن الأذهان أن الامتحان المدرسي يقيس ويفاضل معرفة معينة. لا يوجد امتحان يفاضل بين النذل والشهم ولا الجواد واللئيم بل مجرد معارف وبالتالي هو ليس كل شيء. والحرص على الإتيان بنتائج طيبة وازدراء التعليم نفسه يفضيان إلى ظاهرة خطيرة: الغش.

الغش ينبع بالضبط من الحرص على النتيجة لا على الحقيقة والمعرفة. والتعلق بحسن النتيجة حالة عامة تصيب ثقافة كاملة. يرسل الطبيب بمريض السكري إلى المستشفى لإجراء تحليل ويوصيه بأن يأكل كما يأكل كل يوم ويروح للتحليل، ليرى قدرته على تحمل الكاربوهيدرات. لكن المريض ابن مخلص لثقافة النجاح في النتائج يمتنع عن تناول أي نشويات وسكريات، بل يصوم عن الأكل تماما، كي لا تظهر في دمه آثار الكاربوهيدرات.

بهذا “ينجح” في الاختبار ولو على حساب صحته بحجب المعرفة عن الطبيب. المهم أنه “ينجح” ولو أن المسألة ليست نجاحا وفشلا. وهذا أيضا غش ولكنه مهلك.

اليوم تطورت أساليب الغش في الامتحانات ودخل عامل الهاتف الذكي على الخط. ثورة الاتصالات أحدثت العجب في وسائل الغش. أوراق امتحان تصور وتبعث ثم يجري استلامها مصحوبة بالحلول. وهناك حلول تصل إلى الطالب في موقع الامتحان وتكون منبثة من جهة خارجية وهناك مصائب أخرى لا أفهمها ولا أستطيع سردها.

بسبب الغش تقام مناحة كبيرة وتقريع لا ينتهي ومقالات في الصحف لأن الطلاب الغشاشين يسيئون استخدام ثورة الاتصالات والهواتف الذكية. وهذا احتجاج يشبه كثيرا احتجاج قوى الأمن من أن الإرهابيين يستخدمون الإنترنت لأغراضهم الشريرة بحيث تنصب اللعنات على التقنيات. نفس الحرقة في المقالات والتحليلات التي تشتكي من مكر الإرهابيين وخبثهم لاستخدامهم التقنيات في الشر.

التقنيات متاحة للشرير والخيّر على حد سواء. عندما تشتق الدولة طريقا سريعا بين البصرة وبغداد، مثلا، لا يجوز أن تشتكي من أن المهربين صاروا ينتقلون بسرعة أكبر بين المدينتين. لا يمكن أن تفتتح طريقا يمر به الناس الطيبون فقط. ولا يمكن لسامسونغ أن تبيع غالاكسي وغيره من هواتفها الذكية لذوي النوايا الطيبة فقط.

الهاتف الذكي متاح والإنترنت متاحة والشكوى يجب ان تتوجه إلى من يغش ويخرب وليس للهاتف والكومبيوتر. استرسلنا في الكلام عن النتائج ونسينا البطيخ، فمعذرة.

حسين صالح

:: مقالات أخرى لـ حسين صالح

حسين صالح

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر