السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

السبت 18 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10816

البرلمان العراقي حصيلة حتمية لصراع المافيات

ما نفتقده اليوم في العراق هو غياب أي برنامج لبناء نظام سياسي يخدم المشروع الوطني الديمقراطي القائم على احترام الإنسان دون تفريق في المواطنة لأسباب تتعلق بالانتماءات المختلفة.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/08/31، العدد: 10382، ص(8)]

شهد العراق في السبعينات نهضة تنموية شاملة ومتسارعة، ترافقت مع الثورة على الشركات الاحتكارية للنفط، والاندفاع نحو التأميم والقفزة الهائلة للدخل القومي، بما وفر القناعات بإمكانية النهوض ليس بالعراق فحسب إنما بطاقات الأمة العربية والانفتاح على سوق عمل واسع يستوعب الملايين في مجالات البناء والإعمار والخدمات والزراعة والصناعة.

وكان للأيدي العاملة المصرية مثال لمعنى الحدود المفتوحة بين العرب وازدياد نسبة التعاقدات من خلال السفارات العراقية حتى مع دول المغرب العربي، ولتواجد الشركات الأجنبية المنفذة لمشاريع البنى التحتية الأساسية ونسبة العاملين فيها من الدول الآسيوية والأوروبية التي تقدر بالآلاف، فإن بغداد كانت تبدو مدينة في طريقها إلى النهضة، والفضل في ذلك يعود إلى اقتصاد متين ورغبة صادقة في التقدم ابتداء من الارتقاء بالتعليم إلى الصحة وتطوير المهارات والاعتماد على الكفاءات وإرسال البعثات في مجال الدراسات العليا والتدريب.

هذه القاعدة الواسعة للأمل كانت خارج إطار ما يعرف بالدول الدينية أو الزعامات الإقطاعية التقليدية التي تستأثر بسلطة المال والتحصيل العلمي الخاص لأبنائها، ربما كان ذلك يمثل موقفاً لعدم الانصياع لأوامر ونواهي الهيمنة العالمية وطموحات الإبقاء على سطوة الإمبراطوريات القديمة واستمرار نزعتها لحلمها القديم بتقاسم النفوذ.

انتقل العراق في تلك الفتـرة الحاسمـة مـن جمـود ورتـابة حركـة الاقتصاد إلى نشـاط اقتصادي حيـوي متحـرك، وهي فـرصة انطلاق حضاريـة تصاعـدت معها ثقة الأمة بنفسهـا وبـدورهـا الإنسـاني وسط محيط كان ينبـئ بالمـد الديني ومـوجـة أحـزاب الإسلام السياسي وبداية حروب الطوائف وتكثيف مفردات التعصب للكتل الحزبية والإثنية وصولاً إلى تحجيم أفق المواطنة.

ولأن العراق يقع على حدود إمبراطوريتين قديمتين هما الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية العثمانية، كان صعوده المبهر مدعاة لاهتمام مراكز البحوث والدراسات الإستراتيجية وانتباه الدول الكبرى وقراءتها للواقع السياسي في الشرق الأوسط ومحاور القوى، ومن نتائجها المتغيرات الدراماتيكية في أفغانستان والاستغناء عن الشاه الحليف لصالح نظام طائفي شوفيني وعنصري.

يُعد تولي الخميني للسلطة في إيران ونشوء نظام الولي الفقيه، بداية لحشر تنمية العراق في عنق اقتصاد الحرب، وخسرنا وطناً وبلداً وضع خطواته الجادة في إعادة تشكيل المصادر الأولية لظهور إشراقات تؤسس لاستنارة الأمة.

ما نفتقده اليوم في العراق هو غياب أي برنامج لبناء نظام سياسي يخدم المشروع الوطني الديمقراطي القائم على احترام الإنسان دون تفريق في المواطنة لأسباب تتعلق بالانتماءات المختلفة.

ما حصل أن أميركا نفذت برنامج تدميرها الشامل للعراق وأنجزت وعيدها بإعادته إلى ما قبل العصر الصناعي ولم تكتف في حـرب يناير 1991 بالمواجهة المسلحة مع جيشه، إنما عملت أميركا مع حلفائها على الإجهاز على بنية العراق الاقتصادية والخدمية وضربت كل المرافق الحيوية ثم أجبرت الأمم المتحدة على استمرار الحصار وهو أقسى أنواع العقوبات التي طالت حياة الناس وقتلت أي طموح لهم في التواصل مع الإنسانية، بعد مقتل أكثر من مليون إنسان جراء نقص الدواء وسياسة التجويع وعدم المبالاة، وإقدام أميركا على دعم المعارضة العراقية وهي بمجملها تقريباً أحزاب دينية ولاؤها بالمطلـق للنظام الحاكم في إيران الذي يدعمها بالمال والسلاح لأسباب تخدم مشروعه وأحلامه التوسعية الطائفية، وأيضا الثأر من هزيمته في حرب الثماني سنوات التي يصفها الكثيرون بأطول حرب في القرن العشرين وأقساها ضراوة وبشاعة خاصة في موضوعة حقوق الأسرى وتعذيبهم التي نمت عن كراهية مطلقة تبنتها الأحزاب الحاكمة للسلطة في عراق اليوم.

وضعت أميركا فارقاً في صميم المواطنة عندما أمنت حماية أقليم كردستان دولياً وإزدادت تلك الفوارق بعد امتداد الحصار إلى 13 عاماً، وكان هذا أحد منتجات ولاء قادة الأحـزاب الكردية لأميـركا وإيران، بعد أن كانوا لسنوات طويلة في رعـاية السوفييت إثر فشـل جمهورية مهـاباد الكردية في إيران، لحين عودتهم إلى العراق مع توفر الظروف المناسبة في العام 1959، ولهذا يجيد الكثير من الأكراد اللغة الروسية خاصة من الذين تتجاوز أعمارهم الخمسين عاماً.

تفكيك الدولة العراقية كان برنامجاً أميركياً على مراحل ومن احتلالها صنعت نظاماً سياسياً لا يمتلك برنامجاً للاستقرار على مفاهيم المواطنة، ومنه المحاصصة والتوافقات السياسية المبنية على ثوابت مشروع التقسيم الطائفي من زمن المعارضة، ولذا كل ما جاء منهم لا يخدم الإنسان العراقي، ونيات التفريق منذ البدء كانت لازمة في كل مناحي حياتهم السياسية، أما المعـاناة فهي عـامة حتى لإقليم كردستـان رغـم شبه الاستقلال منذ 1991، فالنتائج مختلفة لكنها على سطح وطن فرط بحدوده لتجتاحه الفوضى والأهداف المتباينة لمغانم السلطة.

المحصلة أن إيران استولت على مقدرات العراق لأن أميركا أطلقت سراح المشروع الإيراني في سياسة مقايضات متعددة شملت المنطقة عموما وتركت العراق مستلبا وضعيفا تتناوشه إيران وساستها وميليشياتها.

أميركا لم تعُد تهتم بالشأن العراقي إلا بقدر تنفيذ أجندتها بالحرب ضد الإرهاب وتكريس وجودها في المنطقة، أما برنامج احتلالها الدعائي في نشر الديمقراطية، فذلك لم يعد ممكنا طرحه مع الملايين من المهجرين وانهيار الاقتصاد وتدمير المدن؛ ونموذج البرلمان العراقي الآن هو حصيلة حتمية لحقيقة الولاءات والمساومات وتقسيم المنافع بين أحزاب المعارضة؛ برنامجها أساسا لم يكن له مستقبل، إنما فضيحة مافيات على مفترق طرق وطن.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر